هل سحبت “معركة المحامين” البساط من تحت أقدام وهبي؟

طرح غياب وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن رئاسة الوفد المغربي المشارك في الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، جملة من التساؤلات الحارقة التي تتجاوز حدود الغياب الإداري لتلامس جوهر التوازنات داخل البيت الحكومي.
ففي خطوة اعتبرها مراقبون مؤشر إعفاء غير معلن من المهام الدبلوماسية الحقوقية، أسندت رئاسة الوفد للمندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان محمد الحبيب بلكوش، مدعوما بالممثل الدائم للمغرب بجنيف عمر زنيبر، مما يعكس تحولا في رادار التكليفات الرسمية التي كانت حتى وقت قريب حكرا على وهبي كواجهة حقوقية للمملكة في المحافل الدولية.
ويرتبط هذا التواري عن الأنظار في سويسرا بشكل عضوي بالمتاعب التي تلاحق الوزير داخل الجهاز التنفيذي، حيث لم تعد الخلافات بينه وبين رئيس الحكومة عزيز أخنوش مجرد تسريبات في صالونات السياسة، بل تحولت إلى صدع علني ألقى بظلاله على تماسك الأغلبية.
وتعود جذور الأزمة إلى ملف المحاماة الذي تحول من نص تشريعي تقني إلى عنوان لتوتر مؤسساتي، بعدما بادر أخنوش بشكل منفرد إلى احتواء غضب أصحاب البدلة السوداء عبر تجميد إحالة مشروع القانون المنظم لمهنتهم على البرلمان، وهي الخطوة التي تمت دون تنسيق مسبق مع وهبي، صاحب الاختصاص المباشر والوزير الوصي على القطاع.
تعتبر هذه المناورة من قبل رئيس الحكومة بمثابة فيتو سياسي ضد منهجية وهبي في تدبير الأزمات، خاصة وأن الأخير كان يرى في ربح معركة القانون المنظم للمحاماة تحديا شخصيا لفرض سلطته الوزارية. ولم يتردد وهبي في التعبير لمقربيه عن استيائه العميق مما اعتبره تطاولا على صلاحياته، وهو ما يفسر حالة الجفاء التنظيمي بين حزبه الأصالة والمعاصرة وبين قائد الأغلبية، حيث بدأت ملامح العزلة تشتد حول وزير العدل الذي وجد نفسه مجردا من ملفاته الثقيلة في الداخل ومستبعدا من تمثيل المملكة في الخارج.
وفي السياق ذاته، يبرز معطى نوعي يتعلق بصورة المغرب الحقوقية؛ فالدولة التي تترأس اليوم مجلس حقوق الإنسان في شخص عمر زنيبر، يبدو أنها فضلت الرهان على بروفايلات تقنوقراطية هادئة لتمثيلها، بعيدا عن صخب التصريحات السياسية لوزير العدل التي غالبا ما تثير الجدل أكثر من تقديم الإجابات. هذا وقد لا يكون الاستغناء عن وهبي في جنيف مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو رسالة سياسية مشفرة مفادها أن زمن التفويض المطلق قد انتهى، وأن ترتيب البيت الداخلي للأغلبية يمر بالضرورة عبر تقليم أظافر الوزراء الذين تحولوا إلى عبء تواصلي أو سياسي على الحكومة في ظرفية تتطلب الكثير من التهدئة والقليل من الصدام.