بين إرث أخنوش وطموحات 2026.. مصطفى المنصوري رجل التوازنات المرتقب لإعادة هندسة بيت “الأحرار”

يعد إعلان عزيز أخنوش عن طي صفحة رئاسته لحزب التجمع الوطني للأحرار وعدم رغبته في الترشح لولاية جديدة، منعطفا حاسما في المسار السياسي لـ “حمامة” الأحرار، وهو القرار الذي لم يتوقف عند حدود المفاجأة التنظيمية، بل فتح الباب على مصراعيه أمام استراتيجية العودة إلى الجذور كخيار للنجاة وتدبير المرحلة المقبلة. وفي خضم هذا الفراغ القيادي المرتقب، لم يكن بزوغ اسم مصطفى المنصوري مجرد استدعاء عابر من ذاكرة الحزب، بل هو قراءة براغماتية لضرورات المرحلة؛ فالحزب الذي عاش طفرة تنظيمية ومالية وسياسية غير مسبوقة تحت قيادة أخنوش، يجد نفسه اليوم أمام استحقاق الهبوط الآمن والبحث عن شخصية لا تشكل قطيعة مع الماضي، وفي الوقت ذاته تمتلك القدرة على لملمة الشتات وتجاوز تداعيات التجربة الحكومية التي، رغم منجزاتها، حملت كلفة سياسية باهظة على مستوى الرأي العام.

إن القراءة في مسار مصطفى المنصوري تكشف عن بروفايل رجل الدولة الذي يتقن فن المسافات؛ فهو السياسي الهادئ الذي خبر ردهات المؤسسات من رئاسة الحزب سابقا إلى رئاسة مجلس النواب، وصولا إلى مهامه الدبلوماسية، مما يجعله اليوم المرشح الضرورة أو رجل التوازنات الكبرى. عودة المنصوري إلى الواجهة تمنح التجمع الوطني للأحرار صمام أمان أخلاقيا وسياسيا، حيث ينظر إليه كشخصية توافقية عابرة للأجنحة والولاءات الضيقة داخل التنظيم. ففي تاوقت الذي يمتلك الجيل الجديد من التجمعيين طموحات جارفة، يبرز المنصوري ككفيل بضمان انتقال هادئ للسلطة داخل الحزب، يجنبه خطر التصدع أو الانقسام الذي غالبا ما يلحق بالأحزاب الكبرى بعد مغادرة زعمائها الأقوياء. هذه العودة المحتملة هي في جوهرها محاولة لإعادة الاعتبار للمؤسساتية الحزبية التقليدية التي توازن بين النجاعة التقنوقراطية والشرعية السياسية النضالية.

علاوة على ذلك، لا يمكن فصل هذا التحول عن سياق التحضير لانتخابات 2026، حيث يدرك العقل المدبر داخل الأحرار أن مرحلة المال والأعمال في السياسة قد بلغت ذروتها، وأن المرحلة المقبلة تتطلب خطابا سياسيا أكثر ملامسة للثوابت والهدوء المؤسساتي. فالمنصوري، بأسلوبه غير الصدامي، يمتلك القدرة على فتح قنوات الحوار مع كافة الفرقاء السياسيين، بما في ذلك المعارضة، مما يمنح الحزب مرونة أكبر في مناورات التحالفات المستقبلية. وبالتالي فالسيناريو الذي قد يضع المنصوري في سدة القيادة هو اعتراف ضمني بأن الحزب يحتاج إلى فترة نقاهة سياسية بعد ضجيج التدبير الحكومي، بمعنى فترة تتطلب قيادة تمتلك الحكمة أكثر مما تمتلك الاندفاع، وتفضل التدبير التشاركي على المركزية القيادية، مما قد يساهم في ترميم الصورة الذهنية للحزب لدى فئات واسعة من الناخبين الذين يبحثون عن الاستقرار والرزانة.

اليوم انتقال المشعل من أخنوش إلى المنصوري، في حال زكاه المؤتمر الوطني المقبل، لن يكون مجرد تغيير في الأسماء، بل هو تغيير في العقيدة السياسية للحزب؛ من مرحلة الهجوم والانتشار إلى مرحلة التحصين والاستمرارية.

أما التحدي الذي يواجهه المنصوري اليوم ليس هو الفوز برئاسة الحزب، بل هو القدرة على إقناع النخب الشابة التي التحقت بالحزب في عهد أخنوش بأن الرزانة التاريخية هي الضمانة الوحيدة للبقاء كقوة سياسية وازنة في المشهد المغربي. إنها مقامرة محسوبة تراهن على التاريخ لصناعة المستقبل، وتجعل من المؤتمر الوطني المقبل محطة لترسيخ نضج سياسي مفاده أن الأحزاب القوية هي تلك التي تعرف متى تستعين بحكمائها لتدبير منعطفات التاريخ الكبرى، بعيدا عن صخب الطموحات الشخصية وضجيج العناوين العابرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *