المعارضة تكبح اندفاع بنسعيد وتدفع مشروع مجلس الصحافة إلى امتحان دستوري حاسم

لم يكن لجوء المعارضة إلى المحكمة الدستورية بخصوص مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة مجرد خطوة إجرائية عادية، بل كان فعلا سياسيا محسوبا نجح في كبح اندفاع وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، وإخراج مشروعه من منطق التمرير السريع إلى فضاء الامتحان الدستوري الصارم. على اعتبار أنه بمجرد قبول المحكمة لطلب الإحالة، انتقل النص من خانة “قانون جاهز للمصادقة” إلى خانة “قانون مشكوك في دستوريته”، وهو تحول ثقيل الكلفة سياسيا للحكومة.

قبول الطلب المقدم من طرف 96 نائبا برلمانيا لا يعني حكما مسبقا بعدم دستوريته، لكنه يوجه رسالة واضحة مفادها أن المشروع لم يعد محصنا بالأغلبية البرلمانية، وأن شرعيته أصبحت رهينة بمدى انسجامه مع الدستور وروحه، لا مع إرادة الوزير أو سرعة الحكومة في التشريع. بهذا المعنى، تمكنت المعارضة من فرض إيقاعها، وحرمت الوزير من ترف المضي قدما دون مساءلة مؤسساتية حقيقية.

الأثر الأبرز لهذه الخطوة لا يكمن فقط في تجميد المسار التشريعي مؤقتا، بل في إحراج سياسي متعدد المستويات. فالمشروع الذي تم تقديمه على أنه إصلاح تنظيمي، بات محاطا بسياج من الشكوك، بعد أن ووجه برفض مهني واسع، وانتقادات صريحة من مؤسسات دستورية وازنة، واحتجاجات في الشارع، ليجد نفسه أخيرا أمام المحكمة الدستورية، أعلى سلطة رقابية في البلاد، ما يفهم من خلاله أن هذا التراكم لم يعد يسمح للحكومة بتسويق النص باعتباره توافقيا أو محصنا من الطعن.

لقد نجحت المعارضة في تغيير قواعد اللعبة، ليس عبر إسقاط المشروع، بل عبر تعطيل اندفاعه، ورفع كلفة تمريره، وإجبار الوزير بنسعيد على خوض امتحان دستوري قد يفرغ النص من جوهره الأصلي، حتى لو خرج في النهاية سالما من حيث الشكل. فالاحتمال الأكبر لم يعد يقتصر على القبول أو الرفض، بل يشمل سيناريوهات التعديل القسري أو إسقاط مقتضيات محورية، وهو ما يعني أن الحكومة قد تخرج من هذه المعركة مقيدة أكثر مما دخلت.

بهذا التطور، لم تعد المعركة حول مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة معركة تقنية أو سياسية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لحدود السلطة التشريعية حين تتقاطع مع الحريات الأساسية. وقد أثبتت المعارضة، في هذه الجولة، أن امتلاك الأدوات الدستورية وحسن توظيفها يمكن أن يعوض غياب الأغلبية العددية، وأن تعطيل الاندفاع الحكومي قد يكون، في حد ذاته، شكلا متقدما من أشكال الانتصار السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *