قرار أخنوش.. ديمقراطية القواعد أم ذكاء إعادة التموضع؟

أثار إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار نقاشا سياسيا لافتا، ليس فقط بسبب مضمون القرار، بل أيضا بسبب توقيته وطريقة إخراجه ورسائله الضمنية. ففي مشهد حزبي اعتاد تمديد الزعامات أكثر من تداولها، يبدو هذا القرار خارجا عن المألوف، ما يفرض قراءته بعيدا عن منطق الإشادة السطحية أو التشكيك التلقائي.
من حيث الشكل، قدم أخنوش نفسه كزعيم يختار المغادرة طوعا، رافضا تعديل النظام الداخلي للحزب، ومؤكدا أن الديمقراطية الحزبية لا تقاس بالأشخاص بل باحترام القواعد. هذه الرسالة، في سياق مغربي مأزوم بثقافة “الزعيم الدائم”، تبدو ذكية ومؤثرة، وتمنح الحزب رصيدا رمزيا لا يمكن إنكاره.
غير أن السياسة لا تقرأ فقط من زاوية النوايا المعلنة، بل من خلال ما تحققه القرارات من مكاسب فعلية. وفي هذا الإطار، يظهر قرار أخنوش كخطوة إعادة تموضع محسوبة بقدر ما هو التزام بالقواعد. فهو يغادر رئاسة الحزب في لحظة قوة، لا في سياق ضغط داخلي أو أزمة تنظيمية، ما يسمح له بالتحكم في شروط الخروج، وفي سردية القرار، وفي مآلاته.
الأهم من ذلك أن الفصل بين رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة، إن تم فعلا، يخفف العبء السياسي عن أخنوش، ويمنحه هامشا أوسع لتدبير المرحلة الحكومية المقبلة دون أن يكون في الواجهة الحزبية المباشرة، خاصة في ظل انتقادات اجتماعية واقتصادية متصاعدة. بهذا المعنى، لا يبدو القرار انسحابا بقدر ما هو تحصين سياسي.
لكن السؤال الجوهري لا يكمن في مغادرة أخنوش، بل في ما سيليها، على اعتبار أن التداول الديمقراطي لا يقاس فقط بتغيير الأسماء، بل بطبيعة هذا التغيير وما إن كان الحزب سيقوده شخص من نفس الدائرة الضيقة؟ وهل ستكون المنافسة مفتوحة فعلا؟ وهل ستمارس القيادة الجديدة استقلالية حقيقية أم ستظل امتدادا لمرحلة سابقة؟
هنا يتم اختبار الفرق بين التداول الشكلي والتداول الحقيقي. فحزب يحترم قواعده لكنه يعيد إنتاج نفس مراكز القرار، قد يكون ديمقراطيا في الشكل، محافظا في الجوهر.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن خطوة أخنوش تضع باقي الأحزاب أمام مرآة محرجة، حيث يصعب، بعد اليوم، تبرير تعديل القوانين الداخلية أو تمديد الولايات باسم “الاستثناء” أو “الضرورة التنظيمية”، في ظل نموذج اختار احترام السقف القانوني، مهما كانت خلفياته.
في الخلاصة، يبقى قرار عزيز أخنوش لا هو بطولة ديمقراطية خالصة، ولا مناورة فارغة. بل قرار ذكي يجمع بين احترام القواعد وحسن تدبير الصورة والمرحلة. أما الحكم النهائي عليه، فلن يكون في إعلان عدم الترشح، بل في الطريقة التي سيتم بها إدارة المؤتمر، وفي هوية القيادة المقبلة، وفي ما إذا كان الحزب سيتحول فعلا من حزب زعيم إلى حزب مؤسسات، أم سيكتفي بتغيير الواجهة مع بقاء الجوهر على حاله.