مشروع قانون العدول بين الإصلاح المعلن والاختلالات الصامتة

في سياق تشريعي يتسم بتسارع لافت في وتيرة الإصلاحات القانونية، انعقدت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب لمناقشة مشروع قانون تنظيم مهنة العدول، ضمن حزمة نصوص يفترض أن تعزز دولة القانون وتكرس الضمانات الدستورية. غير أن ما يحيط بهذا المشروع، من نقاشات واعتراضات مهنية، يكشف أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الإصلاح، بل في منهجه وحدوده ومآلاته.
لا يختلف اثنان على أن مهنة العدول، باعتبارها جزءا من منظومة العدالة ومكونا أساسيا في الأمن التعاقدي، تحتاج إلى تحديث إطارها القانوني لمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية. لكن الإصلاح، حين يتعلق بمهنة ذات وظيفة حقوقية حساسة، لا يمكن أن يتم قياسها فقط بسرعة المصادقة أو بمدى الانسجام الشكلي مع النصوص، بل بقدرته على بناء الثقة داخل المهنة ومع المجتمع.
أولى نقاط التوتر التي يثيرها المشروع تتعلق بمنهج الحوار المعتمد، بمعنى أن اختزال المشاورات في مخاطبة هيئة واحدة، وتقديم “رضاها” كدليل على نجاح الإصلاح، يطرح إشكالا حقيقيا حول مفهوم التمثيلية، على اعتبار أن دستور 2011 لم يحصر المشروعية في الهياكل، بل ربطها بالمشاركة الواسعة والإنصات لتعدد التعبيرات، لأن المهنة، في واقعها، لا تختزل في جهاز تمثيلي واحد، بل تضم عدولا ممارسين، وعدولا دكاترة، ونساء عدولا، ومجالس جهوية ذات خصوصيات ميدانية مختلفة. وبالتالي تغييب هذه التعددية لا ينسجم مع روح الديمقراطية التشاركية، ويجعل الإصلاح أقرب إلى قرار فوقي منه إلى مسار توافقي.
الإشكال الثاني يتجلى في اختلال التوازن بين السلطات والضمانات. فالمشروع، بحسب ما يرشح من مضامينه، يمنح صلاحيات تنظيمية وتأديبية واسعة، دون أن يقابل ذلك تعزيز مكافئ للضمانات المسطرية والمهنية. والحال أن العدل، بوصفه مساعدا للقضاء، يتحمل مسؤولية جسيمة في حماية الحقوق واستقرار المعاملات، ما يفرض توفير حماية قانونية تضاهي حساسية وظيفته، أسوة بمهن قانونية أخرى تحظى بضمانات أوضح.
كما يثير المشروع تساؤلات مشروعة بشأن موقع الكفاءة العلمية داخل المهنة. ففي زمن يتم فيه رفع شعارات الجودة والتخصص، يبدو تغييب العدول الحاصلين على الدكتوراه، والمرأة العدل الحاملة لشهادات عليا، مفارقة يصعب تبريرها. فالإصلاح الحقيقي لا يقصي الرأسمال العلمي، بل يجعله رافعة أساسية للتطوير والتحديث، خاصة في مهنة يرتبط أداؤها بجودة التوثيق وحجية الوثيقة.
ثم إن الحديث عن حماية الحقوق واستقرار المعاملات يفقد الكثير من معناه إذا لم يواكب بتمكين العدول من آليات حديثة وضمانات قانونية تعزز جودة التوثيق. فالأمن التعاقدي لا يتحقق بالرقابة وحدها، ولا بتشديد المساطر التأديبية، بل بتوفير شروط العمل المهني السليم، وحماية العدل من المخاطر القانونية التي قد تترتب عن ممارسة وظيفته.
إن ما يعبّر عنه اليوم عدد من عدول المملكة، عبر رسائل مفتوحة ومذكرات مهنية، لا يمكن اختزاله في رفض للإصلاح أو دفاع عن امتيازات. هو، في جوهره، مطالبة بإصلاح متوازن، تشاركي، وعادل، ينصت لكل مكونات المهنة، ويؤسس لعلاقة سليمة بين السلطة والمسؤولية، وبين التنظيم والضمان.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان مشروع قانون العدول ضروريا، بل أي إصلاح نريده، هل نريد نصا يضبط المهنة إداريا ويرضي منطق السرعة التشريعية؟ أم نريد إصلاحا عميقا يبني الثقة، ويعزز العدالة، ويحمي الحقوق، ويجعل من مهنة العدول شريكا فعليا في ورش إصلاح العدالة؟
الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد ما إذا كان هذا المشروع خطوة إلى الأمام، أم مجرد محطة أخرى تفوت فيها فرصة الإصلاح الحقيقي.