أطاك تنتقد منطق الدولة في ترتيب الأولويات.. ملاعب تبتلع المليارات ومدن تبتلعها الفيضانات

في أعقاب الفيضانات التي اجتاحت عددا من المدن المغربية، خرجت جمعية “أطاك المغرب” بانتقاد شديد لمنطق الدولة في ترتيب أولوياتها، معتبرة أن ما وقع كشف بجلاء هشاشة البنية التحتية الأساسية، وفضح التناقض الصارخ بين ما ينجز من مشاريع كبرى ذات طابع استعراضي، وبين واقع الأحياء الهامشية التي تعاني من الإهمال والارتجال.

وأوضحت الجمعية أن الدولة تظهر قدرة تقنية ومالية عالية عندما يتعلق الأمر بالملاعب والمنشآت المرتبطة بالواجهة الدولية، لكنها لا تتحمل المسؤولية نفسها حين يتعلق الأمر بالبنيات التحتية في الأحياء الشعبية والمناطق المهمشة. واعتبرت أن هذا التفاوت يعكس تمييزا طبقيا واضحا، يقوم على منطق “حيث توجد كاميرات العالم تصرف الأموال بسخاء وتحترم دفاتر التحملات، وحيث تغيب الأضواء يسود الارتجال وتسند الأشغال بأقل تكلفة”. النتيجة، وفق أطاك، ملاعب قادرة على امتصاص مياه الأمطار، مقابل مدن تختنق بها.

وأشار بلاغ الجمعية إلى أن تحول شوارع مدن عديدة إلى برك مائية لا يمكن اختزاله في تقلبات مناخية استثنائية، بل هو انعكاس لهشاشة بنيوية في شبكات الصرف الصحي والطرق والتجهيزات الأساسية، وهي أزمة تتكرر سنويا دون حلول جذرية. وشددت أطاك على أن العجز لا يرتبط بحجم التساقطات، بل بخلل هيكلي في التخطيط الحضري وضعف صيانة البنية التحتية، وهو ما يفسر فشل شبكات التطهير في استيعاب حتى كميات محدودة من المياه. واستحضرت في هذا السياق ما شهدته مدينة برشيد من غرق أحياء كاملة وتوقف النشاط التجاري، نتيجة قنوات صرف غير مؤهلة وغياب تدخل فعال من المؤسسات المختصة.

كما تطرقت الجمعية إلى فيضانات مدينة آسفي، مؤكدة أن ما حدث لم يكن مفاجئا، بل نتيجة مباشرة لبنية تحتية عاجزة عن حماية السكان من مخاطر يمكن التنبؤ بها والاستعداد لها.

وفي قراءتها لأولويات الإنفاق العمومي، اعتبرت أطاك أن الدولة ترفض ضمان صرف صحي فعال وطرق صالحة للاستعمال في أحياء واسعة، بينما تخصص ميزانيات ضخمة لمشاريع كبرى ذات طابع رمزي واستعراضي، وعلى رأسها الملاعب والمنشآت المرتبطة بالتظاهرات الرياضية الدولية.

البلاغ أشار إلى تخصيص 1.1 مليار درهم في ميزانية 2026 لتطوير المنشآت الرياضية ومواصلة بناء وتأهيل الملاعب في إطار التحضير لكأس العالم 2030، إضافة إلى 500 مليون درهم لملاعب القرب داخل المؤسسات التعليمية، فضلا عن حوالي 1.97 مليار درهم في ميزانية 2024 لبناء وتأهيل الملاعب الكبرى، من بينها الملعب الكبير للدار البيضاء. وترى الجمعية أن هذه الأرقام تعكس بوضوح أولوية سياسية موجهة نحو الاستثمار في البنيات الرياضية المرتبطة بالسمعة الدولية.

وفي المقابل، سجلت أطاك أن الرفع من ميزانية الصحة والتعليم سنة 2026 إلى حوالي 140 مليار درهم جاء نتيجة ضغط اجتماعي واسع، غير أن انعكاساته ما تزال محدودة على أرض الواقع، في ظل استمرار معاناة المستشفيات العمومية من خصاص حاد في الأطباء والمعدات، خاصة في المناطق النائية، وهو ما أدى إلى احتجاجات متكررة.

كما أبرزت الجمعية أن المساعدات الرسمية لإعادة بناء المنازل المتضررة من الزلزال المدمر لم تتجاوز 4.6 مليار درهم، في حين خصص أكثر من 20 مليار درهم لتجهيز الملاعب استعدادا للبطولات الدولية، إضافة إلى توجيه 52.5% من الميزانية العامة لسنة 2024 نحو مشاريع البنية التحتية الكبرى.

وختمت أطاك موقفها بالتأكيد على أن هذه المفارقة تعكس بوضوح أولويات الدولة الاستثمارية، وانشغالها بتحقيق الريادة على الصعيد العربي والدولي، على حساب تحسين جودة الطرق المحلية والخدمات الصحية والتعليمية. وهو ما يطرح، بحسب الجمعية، تساؤلات جوهرية حول الهدف الفعلي لما يُسمى بـ“النموذج التنموي” المعتمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *