كان المغرب 2025.. نجاح أمني وتنظيمي يقابله إخفاق سياحي حكومي

منذ 21 دجنبر 2025 وإلى غاية 18 يناير 2026، يحتضن المغرب نهائيات كأس إفريقيا للأمم، أكبر تظاهرة كروية في القارة. غير أن هذا الحدث، الذي يشكل فرصة نادرة لتسويق صورة البلد وتعزيز مكانته السياحية والاقتصادية، كشف غيابا شبه كامل لوزارة السياحة عن المشهد، ما أثار أسئلة محرجة حول جدوى السياسات المعتمدة وقدرة الحكومة على تحويل المناسبات الكبرى إلى رافعة استراتيجية.
فبينما توافد عشرات الآلاف من المشجعين الأفارقة، إلى جانب مئات الصحافيين والوفود الرسمية، لم تُسجل أي مبادرات تحمل بصمة الوزارة، فلا حملات ترويجية موجهة، ولا عروض سياحية مرتبطة بالبطولة، ولا حضور مؤسساتي في الفضاءات الأكثر كثافة بالزوار. مصادر مهنية في القطاع وصفت الوضع بـ“الفراغ غير المفهوم”، معتبرة أن المناسبة كانت تستحق تعبئة استثنائية.
هذا الغياب يكتسي دلالة أكبر بالنظر إلى خلفية الوزيرة فاطمة الزهراء عمور، القادمة من عالم التسويق، حيث راكمت تجربة داخل هولدينغ “أكوا” المملوك لرئيس الحكومة عزيز أخنوش. المهنيون كانوا ينتظرون مقاربة تقوم على استثمار “اللحظة” وبناء سردية تسويقية للمغرب كوجهة إفريقية جامعة، تستثمر كرة القدم كمدخل للتعريف بالثقافة والصناعة التقليدية والمطبخ والمسارات السياحية. لكن ما حدث، وفق تعبير فاعل سياحي من مراكش، هو “إدارة الحدث بمنطق المتفرج لا بمنطق المسوّق”.
وتفرض المقارنة مع تجارب دولية وإفريقية نفسها هنا. فجنوب إفريقيا، خلال مونديال 2010، لم تكتف بتأهيل الملاعب، بل أطلقت حملة وطنية شاملة لتسويق البلاد، ما انعكس لاحقا على أرقام السياحة والاستثمار، بدورها السينغال، عقب تتويجها القاري، حولت كرة القدم إلى عنصر أساسي في خطابها السياحي، فيما نجحت رواندا، رغم محدودية إمكانياتها، في استثمار التظاهرات الرياضية لتعزيز علامتها السياحية وبناء صورة دولة منفتحة وجاذبة.
في المغرب، يرى مهنيون أن الفرصة كانت سانحة لتدارك اختلالات طالما نبهوا إليها. فمدن احتضنت المباريات كان بإمكانها تقديم عروض سياحية موجهة للجماهير الإفريقية بأسعار مناسبة، وربط المباريات ببرامج لاكتشاف الوجهات القريبة، أو تسويق منتوج الصناعة التقليدية في محيط الملاعب. غير أن هذا الرهان لم يجد من يحمله على المستوى الحكومي.
النقاش يتقاطع أيضا مع الانتقادات المتكررة لسياسة “لغة الأرقام” التي تعتمدها وزارة السياحة في عهد عمور. فارتفاع عدد الوافدين لا يعني بالضرورة نجاحا إذا لم يترجم إلى مدة إقامة أطول، وإنفاق أعلى، واستفادة فعلية للاقتصاد المحلي. كأس إفريقيا للأمم، باعتبارها حدثا عابرا للحدود ومشحونا بالرمزية الإفريقية، كان اختبارا حقيقيا لقدرة الوزارة على الانتقال من منطق التعداد إلى منطق القيمة المضافة.
ويكشف “كان 2025” حدود المقاربة المعتمدة في تدبير السياحة بالمغرب. فبينما نجح البلد في كسب رهان التنظيم والأمن، ظل الاستثمار السياحي والسياسي للحدث دون مستوى التطلعات. وهو ما يدفع فاعلين في القطاع إلى التساؤل، “إذا لم تستثمر بطولة قارية بهذا الحجم، وعلى أرض المغرب، فمتى ستستثمر الفرص، وبأي رؤية؟”