مشروع قانون المالية 2023.. إجراءات ضريبية تثير الجدل وتخرج مهنيين للاحتجاج

أثارت إجراءات ضريبية جديدة تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2023 بالمغرب جدلا واسعا في عدد من القطاعات، حيث عبرت هيئات ومنظمات مهنية عن رفضها لهذه الضرائب الجديدة، داعية إلى سحبها وفتح الحوار حولها مع الوزارات المعنية.
وأجمعت ثماني هيئات مهنية وفق بيان لها، الأربعاء، على أن هذه المقتضيات تضرب في العمق النظام الضريبي المعمول به في البلاد، مؤكدة أنه “سيكون لها وقع خطير على الاستقرار المادي لمكاتب ومقاولات أعضائها”.
وطالبت كل من الهيئة الوطنية للموثقين والهيئة الوطنية للمهندسين المعماريين والهيئة الوطنية للمهندسين المساحيين الطبوغرافيين والهيئة الوطنية للبياطرة وهيئة الخبراء المحاسبين والمنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين والهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء وهيئة أطباء الأسنان الوطنية، بعقد اجتماع عاجل مع وزيرة الاقتصاد والمالية والوزير المنتدب المكلف بالمالية ورؤساء الفرق البرلمانية لتقديم تصوراتهم ومقترحاتهم.
وكانت ثلاث نقابات للأطباء والصيادلة أعلنت في بيان مشترك، الثلاثاء، عن رفضها لتلك المقضيات التي وصفتها بـ”المهددة للطبقة الوسطى”، منددة بما وصفته بـ”إهانة الجسم الطبي من خلال اعتماد فرض ضريبة الاقتطاع من المنبع”.
وقالت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، والنقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر، والفيدرالية الوطنية لنقابات أطباء الأسنان بالقطاع الحر بالمغرب، إن “هذه المقتضيات المجحفة جديدة تضع كل المهن المنظمة خاصة ودافعي الضرائب بصفة عامة في خانة التهرب الضريبي، وهو ما يعتبر إهانة لكرامة الأطر الطبية والصيدلانية وللمنظومة الصحية لبلادنا بشكل عام ذات الأبعاد الاجتماعية والإنسانية”.
من جانبها، تخوض جمعية هيئات المحامين بالمغرب احتجاجات أمام المحاكم كما أعلنت التوقف عن العمل طيلة أسبوع من أول أمس الثلاثاء، احتجاجا على تدابير ضريبية جديدة تهم المحامين ضمن مشروع مالية 2023.
“مقتضيات مجحفة”
وتعليقا على الموضوع، يقول عضو مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خالد الإدريسي، إن مهنة المحاماة “تعيش صراعا مريرا مع وزارة العدل التي تحاول أن تقدم مجموعة من التشريعات التي تمس بحصانتها واستقلالها”.
وتابع الإدريسي موضحا أن “رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 20٪ واستخلاصها من المنبع يعني أن أي مقال أو طلب يقدم إلى المحكمة إلا ويجب أن يستخلص منه تسبيق ضريبي”.
وشدد الإدريسي على أن “هذه المقتضيات جد مجحفة ولا تتناسب مع طبيعة مهنة المحاماة في الحقوق الإنسانية والاجتماعية”، مفسرا ذلك بالقول إن “حوالي 80٪ من المساطر التي يتم القيام بها في هذا المجال مرتبطة بملفات اجتماعية وإنسانية مثل الطلاق والحضانة والنفقة”.
ودافع المتحدث على مطالب المحامين بسحب هذه المقتضيات بالتأكيد على أنها “ليست فئوية أو متعلقة بمداخيلهم وإنما هي دفاع عن المجتمع وعن المواطن الذي سيتضرر بشكل أساسي من هذه التعديلات”، منبها إلى أن “أي شخص ستتم مطالبته بتسبيقات عن الأتعاب في إطار هذه المستحقات الضريبية المجحفة فإنه ربما لن يفكر في اللجوء إلى العدالة مما سيجعله يفقد حقوقه ومصالحه”.
“إفلاس وإغلاق”
وعلاقة بالمقتضيات التي تهم قطاع الصيادلة، نبه رئيس كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، محمد لحبابي، إلى أنه في حال تم اعتمادها “ستؤدي إلى إفلاس وإغلاق الصيدليات بسبب الصعوبات المالية الكبيرة التي ستعاني منها جراء ذلك”.
واعتبر لحبابي أن الضرائب الجديدة في مشروع قانون المالية “جاءت لتفقير الطبقة الوسطى وإغناء الطبقة الغنية”، مبرزا أن “الصيادلة الذين يحققون أرباحا صافية سنوية أقل من 300 ألف درهم (حوالي 27 ألف دولار) سترتفع ضريبتهم على الدخل من ٪10 إلى 20٪، بينما ستنخفض من 30٪ إلى 20٪ لمن تزيد أرباحهم عن 300 ألف درهم”.
من جهة أخرى، نفى رئيس كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، إمكانية تأثير تلك المقتضيات على أسعار الأدوية موضحا أن “ثمن الدواء محدد بمرسوم وزاري ويمنع منعا كليا الرفع أو خفض ثمنه بالنسبة للصيادلة”.
وختم المتحدث مؤكدا أن جميع النقابات تأمل أن يفتح حوار بشأن هذه المقتضيات الضريبية الجديدة، معلنا أنه سيتم عقد اجتماع بين مختلف المنظمات المهنية كالموثقين والمحامين والمهندسين والأطباء والصيادلة وباقي المهن المقننة لتدارس ما يمكن اتخاذه من إجراءات إذا لم يتم فتح أي حوار بذلك الخصوص.
“تأثير سلبي”
بدوره، عبر رئيس النقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر، أحمد بنبوجيدة، عن رفضه اعتماد فرض ضريبة الاقتطاع من المنبع، وقال إن “وزارة المالية تعتبر الأطباء الذين يقدمون خدمات اجتماعية مثل التجار وهذا غير مناسب نهائيا”.
وتابع بنبوجيدة، منبها إلى أن “العبء الضريبي يأتي في سياق أزمة اقتصادية وطنية ليثقل كاهل المقاولات الصغرى ويخفف من حجمه بالنسبة للمقاولات الكبرى مما يخلق سوء توازن بالنسبة للمقاولات في المغرب”.
وحذر بنبوجيدة من “التأثير السلبي” للضرائب الجديدة على المواطنين، منبها إلى أن ارتفاعها سيؤدي بالضرورة إلى الزيادة في أسعار الخدمات الصحية وسيشكل عائقا في استفادة المواطنين من حقهم في الصحة.
كما نبه المتحدث إلى أن الضرائب الجديدة “ستطرح مشكلا بالنسبة للأطباء المغاربة في الخارج ممن يرغبون في العودة للاشتغال في بلادهم لتغطية الخصاص في الموارد البشرية بقطاع الطب والتمريض”، داعيا إلى “تشجيع الأطباء حتى لا يقرروا المغادرة إلى الخارج ويعمقوا الخصاص الحاصل”.
موقف الحكومة
أوضح الوزير المنتدب المكلف بالمالية، فوزي لقجع، في اجتماع بفريقي حزب الاتحاد الاشتراكي بالبرلمان، الثلاثاء، أن النقاش والتفاعل الحاصل اليوم حول الإجراءات التضريبية المتضمنة في مشروع قانون المالية لسنة 2023 أمر عادي وأساسي، مشيرا إلى أن الحكومة مستعدة للحوار مع جميع القطاعات المهنية.
وبشأن احتجاجات المحامين، ذكر لقجع أنه بحسب وزارة العدل يجد المحامي صعوبة في التصريح بأرباحه في نهاية السنة، مضيفا أن الوزارة “طالبت بأن يؤدي المحامي مسبقا عن كل قضية على حدة مما سيسهل هذا الإجراء ومن مهمته في هذا الإطار”.
كما دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي، على تلك المقتضيات أثناء لقاء له في مؤسسة “الفقيه التطواني”، الثلاثاء، مؤكدا أنه هو الذي اقترح وأقنع وزارة المالية بذلك الخصوص وبأنه يتحمل المسؤولية، قائلا إن “مسؤوليته تحتم عليه أن يدافع عن حقوق الدولة وواجبها في تحصيل الضرائب المشروعة”.
وأضاف وهبي موضحا أن “المحامين ليسوا ضد أداء هذه الضرائب لكن هناك اختلاف حول طرق استخلاصها إلا أن البرلمان هو الذي سيحسم الأمر”، معبرا عن تمسكه بهذه المشاريع التي أثارت الجدل وقال “لن أقبل مطالب المحامين بسحب هذه المقتضيات التي تطلبت شهورا لإعدادها”.