مليار سنتيم للتواصل.. ولا أثر في الواقع: هدر المال العام في مكتب التكوين المهني

في الوقت الذي يفترض فيه أن يتجه كل درهم من المال العام إلى تحسين جودة التكوين وربط الشباب بسوق الشغل، يختار مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، تحت إدارة لبنى طريشة، أن يضخ أزيد من مليار و100 مليون سنتيم في صفقات للتواصل والترويج الإعلامي، دون أن يلمس الرأي العام أو المتدربون أي أثر حقيقي لهذه النفقات على أرض الواقع. هنا لا نتحدث عن تفاصيل تقنية، بل عن خيار تدبيري يطرح أكثر من علامة استفهام حول الأولويات، والغاية، وحدود المسؤولية.

اللافت أن هذه الصفقات هو أنها تأتي في سياق سياسي وإداري مشحون، أعقبه صدام علني وغير مسبوق بين المديرة العامة والوزير الوصي يونس السكوري، وصل إلى حد تبادل الاتهامات عبر بيانات رسمية. وبالتالي بدل أن يقود هذا التوتر إلى وقفة تقييم ومراجعة للاختلالات المثارة، جاء الرد عمليا وسريعا عبر تفويت صفقات ضخمة في مجال التواصل، وكأن المؤسسة قررت مواجهة النقد بتلميع الصورة لا بإصلاح الأعطاب.

وحدها الأرقام كافية لطرح السؤال. صفقة لدعم المكتب في مجال التواصل تجاوزت 559 مليون سنتيم، وأخرى لفائدة مدن المهن والكفاءات قاربت 360 مليون سنتيم، إضافة إلى صفقات لطبع دعامات تواصلية ناهزت 200 مليون سنتيم. أكثر من مليار سنتيم تم صرفها تحت عنوان “التواصل”، في وقت ما تزال فيه مؤسسات التكوين تعاني من إشكالات التجهيز، وجودة التكوين، وملاءمة البرامج مع حاجيات سوق الشغل.

الأكثر إرباكا أن هذا السخاء المالي لم ينعكس على صورة المكتب ولا على ثقة المتدربين ولا على النقاش العمومي حول أدائه. فلا حملات التواصل بددت الانتقادات، ولا البلاغات المصقولة أقنعت الرأي العام، ولا الإعلانات الممولة غطت على الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحكامة والنجاعة. وهنا بالضبط يتحول التواصل من أداة خدمة عمومية إلى قناع مكلف يخفي أكثر مما يوضح حقيقية ما يجري داخل دهاليز الادارة.

البيان الناري الذي أصدره المكتب في نونبر الماضي للدفاع عن تدبيره لمنح المتدربين، والذي أكد فيه أنه تولى هذا الملف “طوعا وإراديا” منذ 2017، يكشف بدوره عن عقلية تدبيرية تخلط بين التبرير والتواصل، على اعتبار أن الدفاع عن الذات عبر الخطاب لا يعفي من المحاسبة عبر الأرقام، ولا يبرر توجيه موارد ضخمة نحو تحسين الصورة بدل معالجة أسباب التشكيك فيها.

المفارقة الصارخة هو أن المؤسسة التي تفترض فيها الريادة في تأهيل الشباب لسوق الشغل، تختار منطق الحملات بدل منطق الإصلاح، ومنطق الرد الإعلامي بدل منطق التقييم الداخلي الصارم. وهو منطق يعكس تصورا يعتبر أن الأزمة تدار بالواجهة، وأن الانتقاد يطفأ بالصفقات، حتى وإن كان الثمن هو المال العام.

ولا تكمن خطورة هذا المسار فقط في حجم المبالغ المرصودة، بل في الرسالة التي يبعث بها، وهي أن التواصل يمكن أن يصبح بديلا عن المحاسبة، وأن صرف الملايين قد يتم تقديمه كإنجاز، حتى وإن ظل الواقع على حاله. وفي هذا السياق، لا يعود السؤال حول قانونية هذه الصفقات فقط، بل حول مشروعيتها الأخلاقية وجدواها الفعلية.

اليوم، لا أحد يعارض مبدأ التواصل المؤسساتي حين يكون وسيلة لشرح السياسات وتقريب الخدمات من المواطنين. لكن حين يتحول إلى نزيف مالي بلا أثر، أو إلى أداة لتجميل الاختلالات بدل معالجتها، فإنه يصبح عنوانا لهدر المال العام لا لاستثماره. وبالتالي حين يغيب الأثر، تسقط كل المبررات، ويبقى السؤال معلقا حول كلفة صفقة التواصل؟ وماذا حققت فعلا غير مزيد من الغموض؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *