صفقة النظافة بمكناس بين منطق الأرقام وهاجس الحسابات السياسية

أثار النقاش الذي فجره فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة مكناس حول صفقة التدبير المفوض لقطاع النظافة، التي فازت بها شركة “ميكومار”، جدلا واسعا، خاصة بعد اعتبار الفريق أن المبلغ المالي للصفقة الجديدة مبالغ فيه مقارنة بصفقة سنة 2018 التي أبرمها المجلس السابق برئاسة عبد الله بوانو، والتي همت منطقتي حمرية والزيتونة.
غير أن المعطيات التي كشف عنها رئيس مجلس جماعة مكناس، عباس الومغاري، خلال الدورة الاستثنائية الأخيرة المخصصة للمصادقة على الاتفاقية، أعادت النقاش إلى سكته الصحيحة، ووضعت الرأي العام أمام حقائق وصفها كثيرون بـ”الصادمة”.
وأوضح الومغاري أن المقارنة بين صفقة 2018 وصفقة 2025 (أو 2026) لا يمكن أن تتم بمعزل عن الفارق الجوهري بينهما، والمتمثل في الشق الاجتماعي، الذي غاب بشكل كلي عن صفقة 2018، وهو ما انعكس سلبا على أوضاع عمال النظافة لسنوات طويلة. وأضاف أن إدماج هذا الشق في الصفقة الجديدة هو العامل الرئيسي الذي رفع من كلفتها وليس شيئا آخر.
وفي هذا السياق، كشف رئيس المجلس أنه سبق له، عندما كان حزب الاتحاد الدستوري في موقع المعارضة سنة 2018، أن اقترح على المجلس الذي كان يقوده حزب العدالة والتنمية إعداد ملحق خاص بالشق الاجتماعي وإرفاقه بالاتفاقية، غير أن وزارة الداخلية رفضت حينها هذا الملحق، ما ضيع على العمال مكاسب اجتماعية مهمة طيلة السنوات الماضية.
واليوم، واستحضارا لهذا الدرس، أكد الومغاري أنه تفاديا لتكرار السيناريو نفسه، تم دمج الشق الاجتماعي في صلب الاتفاقية، بدل الاكتفاء بملحق يمكن إسقاطه أو تعطيله، وهو ما اعتبره متتبعون خطوة ذكية تحسب لرئيس المجلس وفريقه، وتؤشر على إرادة حقيقية لحماية حقوق العمال وضمان استقرارهم الاجتماعي.
ورغم تفهم هاجس المعارضة، خاصة فريق العدالة والتنمية، في ممارسة دورها الرقابي، إلا أن طريقة التعاطي مع هذا الملف تطرح أكثر من علامة استفهام. فانتقاد الصفقة، وفق عدد من المتابعين، لم يكن مبنيا على معطيات موضوعية تراعي مصلحة العمال، بقدر ما تحكمه حسابات انتخابية ضيقة، في ظل الاعتقاد بأن دفاع الرئيس عن الشق الاجتماعي قد يمنحه رصيدا انتخابيا مهما.
ويعزز هذا الطرح، انسحاب أعضاء فريق العدالة والتنمية من الجلسة وعدم تصويتهم على الاتفاقية، رغم تأكيدهم المعلن على الدفاع عن مصالح العمال. وهو موقف يتناقض مع سلوك فريق الاتحاد الدستوري عندما كان في المعارضة خلال ولاية العدالة والتنمية، حيث لم يعترض على بنود الاتفاقية، بل ركز فقط على المطالبة بإدراج الشق الاجتماعي، انطلاقا من هاجس المصلحة العامة.
بين معارضة الأمس ومعارضة اليوم، يبدو أن منطق الاشتغال تغير؛ فبينما كان الهم سابقا هو الدفاع عن الحقوق الاجتماعية للعمال، أضحى النقاش اليوم محكوما بمنطق السجال السياسي والحسابات الحزبية، على حساب جوهر الإشكال.
وفي المحصلة، تؤكد صفقة النظافة الجديدة أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في الأرقام فقط، بل في مضمون الصفقة وأثرها الاجتماعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بفئة ظلت لسنوات تؤدي مهامها في ظروف صعبة، دون ضمانات كافية. وهو رهان اختار المجلس الحالي أن يتحمله، مهما كانت كلفته السياسية أو المالية.