139 تعديلا على قانون المجلس الوطني للصحافة سقطت دفعة واحدة.. المعارضة تتهم الحكومة بتفصيل قانون على المقاس

صادقت لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بصيغته القادمة من مجلس النواب، دون أي تعديل، في تصويت ضيق انتهى بستة أصوات مقابل خمسة، وهو ما اعتبر تكريسا لمنطق الغلبة العددية بدل البحث عن توافق جامع.
خلال المناقشة، تبنى وزير الشباب والثقافة والتواصل موقفا رافضا شاملا، أسقط دفعة واحدة 139 تعديلا تقدمت بها فرق المعارضة ومجموعة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، بينما التزمت فرق الأغلبية وفريق الاتحاد العام لمقاولات المغرب الصمت، مفضلين الاصطفاف خلف الصيغة الحكومية، ما جعل النقاش التشريعي يبدو وكأنه مجرد إجراء شكلي لتزكية نص جاهز.
أكد الوزير تشبثه بنص مغلق، رافضا حتى المقترحات ذات الطابع الرمزي مثل إدراج ديباجة للقانون، مبررا ذلك بأن النص لا يندرج ضمن القوانين المحدثة لأول مرة، وهو تبرير اعتبرته المعارضة التفافا على النقاش الجوهري ومحاولة لتجريد النص من أي خلفية سياسية أو حقوقية قابلة للنقاش والمساءلة.
رفض الوزير توسيع تركيبة المجلس الوطني للصحافة وتمسك بالاقتراع الفردي المباشر للصحافيين تحت شعار “الاختيار الحر” و”المسؤولية الفردية”، مقابل إقصاء الاقتراع باللائحة بدعوى خضوعه للحسابات التنظيمية، وهو ما اعتبره معارضو المشروع آلية لتفكيك العمل الجماعي والنقابي وإعادة إنتاج تمثيلية مشتتة يسهل التحكم في مخرجاتها.
دافع الوزير عن آلية الانتداب بالنسبة لفئة الناشرين، مستندا إلى منطق “الوزن الاقتصادي والإداري” للمقاولات، في ازدواجية صارخة بين منطق فرداني صارم يفرض على الصحافيين، ومنطق تمثيل مريح ومرن يمنح للناشرين، وهو ما اعتبره منتقدون انحيازا تشريعيا لصالح رأس المال الإعلامي على حساب المكون المهني الأضعف.
أسقطت الحكومة أيضا تعديلا يقضي بإقرار اشتراك سنوي إجباري للصحافيين، مبررة ذلك بهشاشة أوضاعهم الاجتماعية، في مفارقة اعتبرها مهنيون تكريسا لوضع غير سوي، حيث يستعمل الفقر المهني كذريعة لحرمان الصحافيين من آليات الاستقلال الذاتي بدل أن يكون مدخلا لإصلاح منظومة الأجور والحماية الاجتماعية داخل القطاع.
عبرت المعارضة بمجلس المستشارين عن رفضها القاطع لمشروع القانون رقم 54.23، واعتبرته تراجعا عن فلسفة التنظيم الذاتي وضربا لاستقلالية المجلس الوطني للصحافة، محذرة من أن النص يحول المجلس من فضاء مهني مستقل إلى جهاز إداري للضبط والتأديب خاضع لتوازنات سياسية واقتصادية أكثر من خضوعه لإرادة الصحافيين.
واصلت فرق الأغلبية الترويج للمشروع باعتباره إصلاحا هيكليا وتحديثا للمنظومة الإعلامية، متجاهلة حجم الاعتراض داخل الجسم الصحافي نفسه، ومختزلة مفهوم “الاستدامة” في منطق المقاولة لا في كرامة الصحافي واستقلال قراره المهني.
تمسك الوزير بخطاب “تقوية المؤسسة” و”رفض شخصنة النقاش”، غير أن معارضي المشروع يرون أن ما جرى فعليا ليس سوى إعادة رسم لخريطة التمثيلية داخل المجلس الوطني للصحافة عبر قانون مفصل بدقة، انتصر لفئة داخل المهنة على حساب أخرى، ومرر بمنطق الأمر الواقع، في سابقة تشريعية تنذر بمزيد من الاحتقان وفقدان الثقة داخل قطاع يعاني أصلا من الهشاشة والتهميش.