رحلة إسبانيا وأسئلة المال العام.. ماذا وقع في ملف إنارة شارع فريد الأنصاري بمكناس؟

لم تعد الاختلالات التي يعرفها شارع فريد الأنصاري بمكناس مجرد أعطاب تقنية أو تعثرات معزولة، بل أضحت عنوانا بارزا لسوء التدبير وغياب النجاعة في تسيير قطاع الأشغال والإنارة العمومية خلال مرحلة سياسية سابقة، تستدعي اليوم مساءلة سياسية صريحة دون مواربة.
فمن بين أكثر النقاط إثارة للاستغراب، سفر النائب السابق المفوض له تدبير قطاع الأشغال والإنارة العمومية إلى إسبانيا، خلال فترة رئاسة جواد باحجي لمجلس جماعة مكناس، وهي الرحلة التي قدمت للرأي العام آنذاك على أنها مهمة رسمية تهدف إلى اعتماد أعمدة الإنارة من الشركة المصنعة.
غير أن الوقائع اللاحقة، وخاصة لجوء الشركة المصنعة إلى القضاء، كشفت، حسب ما هو متداول، غياب أي تواصل رسمي أو إجراء تقني مع هذه الشركة، وهو ما يفرغ تلك الرحلة من مضمونها الإداري والتقني، ويحولها إلى سفر بلا أثر ولا نتائج.
وأمام هذا الواقع، يحق للرأي العام أن يتساءل اليوم بوضوح، ما الجدوى من هذا السفر؟ وأي مصلحة عامة تحققت منه؟ وكيف يمكن تبرير رحلة دامت أسبوعا كاملا دون أن تترك أي أثر إداري أو تقني ملموس؟ بل إن حجم الاختلالات التي تفجرت لاحقا، سواء على مستوى الأعمدة المستعملة أو على مستوى الأشغال المنجزة بشارع فريد الأنصاري، يجعل من المشروع طرح تساؤل أكثر جرأة، هل كان هذا السفر فعلا في خدمة الصالح العام، أم أنه تحول إلى فرصة للاستجمام على حساب المال العام، في غياب المراقبة والمحاسبة؟
إن المسؤولية السياسية لا تقاس بالنوايا المعلنة، بل بالنتائج المحققة على أرض الواقع، والنتيجة اليوم واضحة تتجلى في مشروع متعثر، شارع يعاني من اختلالات، شركة متابعة قضائيا، ورحلة خارج الوطن لم تحقق الهدف الذي سوقت من أجله.
وأمام كل ذلك، فإن الصمت لم يعد مقبولا، كما أن الاكتفاء بتبريرات عامة لم يعد كافيا. والمطلوب اليوم هو توضيح صريح حول حيثيات هذا السفر، كلفته، نتائجه، ومن تحمل مسؤوليته، في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام ذكاء المواطن المكناسي الذي ضاق ذرعا بسوء تدبير المشاريع العمومية.
إن ما جرى في شارع فريد الأنصاري ليس حالة معزولة، بل نموذج لاختلالات أعمق في تدبير الشأن المحلي، اختلالات تستوجب المساءلة السياسية قبل أن تتحول إلى ملفات قضائية جديدة.