حين يعود صناع الإفلاس للمطالبة باتحاد طنجة بعد أن بدأ التعافي.. من وكيف ولماذا؟

ما يجري داخل اتحاد طنجة اليوم لا يمكن اختزاله في خلاف تقني حول الانخراطات أو تأويلات قانونية معزولة، لأن وضع الأحداث في سياقها الزمني والمالي يكشف بوضوح أننا أمام صراع حول مستقبل النادي، لا حول مسطرة إدارية. فالقضية، في عمقها، تتعلق بمن يملك حق الإمساك بمفاتيح القرار في لحظة بدأ فيها الفريق يستعيد توازنه ويغادر منطقة الخطر التي ظل حبيسها لسنوات.

للعودة إلى أصل الحكاية، لا بد من التذكير بأن المكتب الذي يقف اليوم خلف محاولات التشويش هو نفسه الذي ارتبط اسمه بمرحلة سوداء في تاريخ اتحاد طنجة. مرحلة اتسمت بتراكم الديون إلى حدود تناهز تسعة ملايير سنتيم، وباختلالات مالية جسيمة، وبنزاعات قضائية أنهكت الفريق وأفقدته الاستقرار والقدرة على التخطيط. لم تكن تلك المرحلة مجرد تعثر عابر، بل كانت نموذجا لتسيير عشوائي كاد أن يدفع النادي إلى المجهول.

غير أن انتخاب المكتب المسير الحالي شكل نقطة تحول حقيقية. فبدل الانخراط في منطق تصفية الحسابات أو التبرير، اختار هذا المكتب طريقا أكثر صعوبة، من خلال قيامه بتصحيح الأعطاب واحدة تلو الأخرى. تم الاشتغال على تسوية النزاعات، وإغلاق ملفات كانت تستنزف ميزانية النادي، وهو ما مكن من تقليص حجم الدين بشكل كبير، ليصل اليوم إلى حوالي مليار سنتيم فقط. هذا الرقم، في حد ذاته، يعكس حجم العمل الذي تم إنجازه في صمت، بعيدا عن الضجيج.

ولم يتوقف الأمر عند معالجة الإرث الثقيل، بل انتقل المكتب الحالي إلى مرحلة أكثر نضجا، تمثلت في إرساء قواعد الحكامة المالية، عبر توقيع اتفاقيات مهمة، وتنويع مصادر التمويل، وضبط مسارات الصرف، وربط الالتزامات بالإمكانيات الحقيقية للنادي. هذه المقاربة الجديدة أنهت منطق التدبير العشوائي، ووضعت الفريق على سكة مالية واضحة، جعلت وضعه اليوم أكثر استقرارا وجاذبية.

في هذا السياق بالذات، يظهر سبب الضجيج الحالي. فاللائحة المعتمدة من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والمصادق عليها خلال الجمع العام العادي الأخير تضم 54 منخرطا فقط، وهي اللائحة القانونية المعترف بها. أما المجموعة التي تطالب اليوم بفرض نفسها بالقوة، فقد سجل أعضاؤها في نفس التاريخ، وأدوا واجبات الانخراط نقدا، في ظروف تطرح أكثر من علامة استفهام. هذا المعطى وحده كاف لإثارة الشك حول الطابع المنسق وغير العفوي لهذه التحركات.

ومع انتقال الفريق من وضعية مالية خانقة إلى وضعية مريحة نسبيا، ومع اقتراب موعد استلام ملعب ابن بطوطة، وما يحمله ذلك من إمكانيات استثمارية ورياضية مهمة، يصبح من السهل فهم خلفية هذا التصعيد. على اعتبار أن الأمر لا يتعلق بالدفاع عن مبادئ أو حرص مفاجئ على الديمقراطية الداخلية، بل بمحاولة واضحة للعودة إلى الواجهة في اللحظة التي بدأت فيها “الدجاجة” تستعد لوضع البيض.

الأخطر في هذه المحاولات هو أنها تستهدف استقرار فريق بدأ أخيرا في التقاط أنفاسه. فالتشويش على الجمع العام، واللجوء إلى المساطر القضائية في هذا التوقيت الحساس، لا يخدم مصلحة النادي ولا جماهيره، بل يهدد بنسف ما تحقق من مكتسبات. وهو ما يجعل السؤال الحقيقي المطروح على الرأي العام الطنجي ليس من له الحق القانوني فقط، بل من له المصلحة الحقيقية في زعزعة الاستقرار اليوم.

إن اتحاد طنجة، في هذه المرحلة، لا يحتاج إلى صراعات المواقع ولا إلى عودة الوجوه التي راكمت الفشل، بل إلى حماية مسار الإصلاح الذي انطلق، وتعزيزه بمزيد من الشفافية والوضوح. فالفريق الذي كاد أن يغرق بسبب سوء التدبير، لا يجوز أن يعاد تسليمه لمن أوصلوه إلى حافة الهاوية، فقط لأن الظروف أصبحت اليوم مواتية.

خلاصة القول، ما يحدث ليس صراعا من أجل المصلحة العامة، بل محاولة مكشوفة للانقضاض على مؤسسة بدأت تستعيد عافيتها. والرأي العام الطنجي، الذي عانى طويلا من نتائج التسيير السيئ، بات اليوم أكثر وعيا بخلفيات هذا التشويش، ويدرك أن الدفاع الحقيقي عن اتحاد طنجة يمر عبر حماية استقراره، لا عبر فتح أبواب الماضي التي لم تجلب للنادي سوى الخسائر.

ترقبوا حلقات أخرى نكشف من خلالها حقائق صادمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *