تحقيق مؤجل أم صمت مريب؟ الومغاري مطالب بكشف اختلالات تدبير البوكيلي للأشغال بشارع فريد الانصاري بمكناس

لم يعد تعثر مشروع تهيئة شارع فريد الأنصاري بمدينة مكناس مجرد حادث تقني أو تأخر عادي في إنجاز ورش حضري، بل تحول مع مرور الوقت إلى ملف ثقيل يكشف اختلالات عميقة في تدبير المال العام، ويضع المسؤولية السياسية والإدارية في مواجهة مباشرة مع الرأي العام المحلي. فمشروع رصدت له اعتمادات تفوق ثمانية وأربعين مليون درهم، وكان يفترض أن يشكل قفزة نوعية في البنية الطرقية والإنارة الحضرية، انتهى إلى واقع ميداني مخيب يطبعه التوقف غير المبرر، وضعف الجودة، وغياب أي تواصل رسمي يشرح ما جرى.

ومع توالي المعاينات الميدانية، يتضح أن الإشكال لا يقف عند حدود أعمدة إنارة لا تشتغل، أو تجهيزات حضرية رديئة الصنع، أو أرصفة سرعان ما ظهرت عليها علامات التشقق. فجوهر الخلل يكمن في غياب الصرامة في التتبع، وفي ضعف الكفاءة التقنية في الإشراف، وفي عدم احترام المقتضيات القانونية التي تضمن حماية الجماعة وحقوقها. ويكفي التوقف عند مسألة عدم تفعيل مرحلة التسليم المؤقت إلى حدود اليوم لفهم حجم المخاطر التي تحيط بهذا الملف، لأن هذه المرحلة هي التي تفتح مدة الضمان التقني وتسمح بمساءلة الشركات المنجزة وإجبارها على إصلاح العيوب المسجلة.

غير أن هذا الوضع لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لطريقة تدبير مرحلة سابقة اتسمت بالارتجال وسوء التقدير. فخلال الفترة التي كان فيها محمد البوكيلي مفوضا له في قطاع الأشغال والإنارة العمومية، سجل المهنيون والمتابعون غيابا واضحا للفهم التقني لهذا القطاع الحساس، وهو ما انعكس على ضعف المراقبة، والتساهل مع المقاولات، والاكتفاء بخطاب سياسي إنشائي لا يوازي حجم المسؤولية الملقاة على عاتق هذا المنصب.

لقد أبانت تلك المرحلة عن خلل بنيوي يتمثل في إسناد قطاع تقني معقد، يتطلب معرفة دقيقة بالمعايير، وبآليات التتبع، وبالمساطر القانونية، إلى مسؤول سياسي لم يعرف عنه أي تكوين أو تجربة في المجال. فكانت النتيجة أوراشا غير محكومة، وصفقات تمر دون تشدد، ومشاريع تم تسوقها خطابيا باعتبارها إنجازات كبرى، بينما كانت في الواقع تتآكل من الداخل بسبب غياب الكفاءة والرقابة.

ومن هنا يطرح سؤال أكبر يتجاوز هذا المشروع بعينه، ويتعلق بسبب تهافت بعض السياسيين على قطاعات تفوق قدراتهم وخبراتهم، على اعتبار أن التفويض في مثل هذه القطاعات لا يجب أن يكون مكافأة سياسية ولا مجالا للمزايدة الخطابية، بل مسؤولية تقنية تتطلب أهلية ومعرفة، لأن أي خطأ فيها لا يؤدي فقط إلى فشل مشروع، بل إلى هدر ملايين الدراهم من المال العام.

ومع استمرار هذا الوضع، تصبح الجماعة مهددة بفقدان أحد أهم أدواتها القانونية، وهو ما يعني أن أي أعطاب مستقبلية قد تتحول إلى عبء مالي جديد على ميزانية المدينة، بدل أن تتحملها الشركات المعنية. هنا لا يعود الحديث عن ضعف جودة فقط، بل عن احتمال تفويت حقوق مالية وقانونية، وهو أمر يمس جوهر تدبير المال العام ويكشف كلفة الجهل بالقطاع حين يقترن بالمسؤولية.

في هذا السياق، تطرح مسؤولية المجلس الجماعي السابق نفسها بقوة، خاصة وأن المشروع انطلق في عهد الرئيس السابق جواد باحجي، وتحت إشراف مباشر من نائبه المكلف آنذاك بقطاع الأشغال والإنارة. فالمساءلة هنا لا تتعلق بمن نفذ الأشغال فقط، بل بمن راقبها، ومن صادق على مراحلها، ومن كان عليه أن يدق ناقوس الخطر حين بدأت مؤشرات الخلل تظهر، بدل الاكتفاء بالخطابات والمزايدات التي لا تنير شارعا ولا تحمي مالا عاما.

غير أن العودة إلى الماضي وحدها لا تكفي، لأن المسؤولية لا تتوقف عند نهاية النصف الأول من الولاية الانتخابية، على اعتبار أن المجلس الجماعي الحالي، برئاسة عباس الومغاري، ومعه نائبه المفوض له حاليا قطاع الأشغال والإنارة، يوجدان اليوم أمام اختبار حقيقي. فالقانون لا يمنحهما فقط صلاحية التدبير، بل يحملهما أيضا واجب الكشف، والتتبع، ووضع حد لثقافة الإفلات من المحاسبة. ومن ثم فإن استمرار الصمت، وعدم فتح تحقيق إداري وتقني واضح، لا يمكن اعتباره موقفا محايدا، بل قد يفهم على أنه تقصير في ممارسة الاختصاصات المخولة قانونا.

وتزداد حساسية هذا الصمت حين نضعه في سياق ما قد يترتب عنه مستقبلا. فحين تضيع فرص التتبع والمطالبة بالإصلاح داخل الآجال القانونية، يصبح من المشروع طرح سؤال المسؤولية المشتركة، ليس فقط في حق من دبر المشروع سابقا بجهل وارتجال، بل أيضا في حق من علم بالاختلالات ولم يتحرك لمعالجتها. وهنا ينتقل الملف من مستوى سياسي إلى مستوى قد تترتب عنه تبعات مالية وقانونية.

وأمام هذا الوضع، يصبح تدخل أجهزة المراقبة، وعلى رأسها المفتشية العامة للإدارة الترابية والمجلس الجهوي للحسابات، أمرا ضروريا لا يحتمل التأجيل. فالأمر يتعلق بمشروع استراتيجي، وباعتمادات مالية ضخمة، وبثقة ساكنة فقدت الإحساس بجدوى الوعود الحضرية، خاصة حين تتحول القطاعات التقنية إلى منصات للخطاب الفارغ بدل أن تكون ورشا للإنجاز الحقيقي.

إن شارع فريد الأنصاري لم يعد مجرد طريق ينتظر إتمام الأشغال، بل أصبح مرآة تعكس كلفة الجهل حين يقترن بالمسؤولية، وتكشف أن أخطر ما في التدبير المحلي ليس سوء النية فقط، بل إسناد المهام لمن لا يملك أدواتها. فإما مصارحة كاملة، وتحقيق شفاف، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة، وإما استمرار في منطق الصمت، وهو خيار لا يحمي أحدا، بل يؤجل فقط انفجار الأسئلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *