العدالة والتنمية بمكناس ازدواجية فاضحة من تدبير الأمس إلى صراخ اليوم

لم يعد ممكنا، بعد اليوم، الاستمرار في تسويق فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة مكناس باعتباره “معارضة أخلاقية” أو “ضميرا يقظا” يسهر على المصلحة العامة. ما يقع اليوم داخل المجلس، وخاصة فيما يتعلق بملف صفقة التدبير المفوض لقطاع النظافة، لم يكشف فقط تناقض الخطاب، بل عرى وجها سياسيا حقيقيا ظل مختبئا لسنوات خلف شعارات الفضيلة والتجرد، قبل أن يسقط القناع مع أول اختبار حقيقي للمصداقية.

الفريق الذي يرفع اليوم صوته ضد شركة “ميكومار”، ويتحدث بلغة حقوق العمال والشفافية والحرص على المال العام، هو نفسه الفريق الذي جلب هذه الشركة إلى مكناس، وسوق لها باعتبارها “الرائدة” و”الأجود” و”الحل المنقذ” للمدينة. وهو نفسه الذي دافع عن صفقة سابقة بمليارات السنتيمات، قدمت حينها وعود براقة بآليات متطورة واستثمارات ضخمة، انتهت بعد سنوات إلى خردة مهترئة، دون أن تستفيد الجماعة من القيمة الاستثمارية التي تم عرضها على الرأي العام كإنجاز.

الأدهى من ذلك أن حزب البيجبدي نفسه، وهو في موقع التدبير، مرر الصفقة في ظروف وصفت حينها بـ”الاستعجالية”، ليتم غض الطرف عن ملاحظات جوهرية في الإعداد والتنفيذ، تحت ذريعة أن المدينة لا تحتمل الفراغ، بل أكثر من ذلك، تم الاستنجاد بالمعارضة آنذاك للتصويت، حتى لا “تغرق مكناس في الأزبال”. يومها كان كل شيء جميلا، وكل شيء قانونيا، وكل شيء مقبولا. واليوم، حين أصبح الحزب في موقع المعارضة، تحولت الصفقة نفسها إلى فضيحة، والشركة نفسها إلى خطر، والآليات نفسها إلى كارثة.

هذا التحول لا يمكن تفسيره بالصحوة الأخلاقية المتأخرة، ولا بالغيرة المفاجئة على عمال النظافة، بل هي معارضة انتقائية، وذاكرة سياسية قصيرة، ومنطق واضح يقوم على قاعدة واحدة تتلخص في جملة قصيرة وهي كل ما يخدمنا جيد، وكل ما لا يخدمنا فاسد. لذلك لم يكن مستغربا أن يزايد الفريق العدالة والتنمية على الشق الاجتماعي في الصفقة الجديدة، ويتحدث عن رفع الأجور وتحسين ظروف العمل، ثم يرفض التصويت عليها، في تناقض صارخ لا يمكن وصفه إلا بالاستخفاف بعقول المكناسيين.

الأكثر خطورة أن هذا الفريق، الذي يدعي اليوم الدفاع عن العمال، يعرف جيدا أن فترته في التدبير عرفت احتجاجات بالجملة من مستخدمي شركة النظافة نفسها، ويعرف أن ملفات اجتماعية ظلت عالقة دون حلول حقيقية. لكنه يراهن على النسيان، وعلى ضعف الذاكرة الجماعية، وعلى إعادة كتابة التاريخ من موقع المعارضة، وكأن ما جرى بالأمس لم يكن أصلا.

إن ما نراه اليوم من جانب إخوان بوانو بمجلس جماعة مكناس ليس معارضة مسؤولة، بل تموقع سياسي هدفه استعادة مواقع نفوذ فقدت، بعد أن أغلقت قنوات التحكم والتدخل، وتم تشديد المساطر، وربط الاختيار بالعرض الأفضل لا بالولاء السياسي. لذلك ارتفعت الأصوات، لا دفاعا عن المدينة، بل حزنا على امتيازات ضاعت، وعلى أدوار لم يعد لها مكان في تدبير يقال إنه يريد تفادي هفوات الماضي.

والأخطر من كل هذا، أن الفريق ذاته يلوح اليوم بشعارات النزاهة، بينما يعرف المكناسيون، ومن عاش تفاصيل المرحلة السابقة، أن ملفات التعمير، والتدبير المالي، والعلاقات مع الشركات المفوض لها، لم تكن كلها بيضاء. وأن ما لم يتم فتحه بعد من ملفات، لو فتح، سيجعل الكثيرين يفضلون الصمت بدل المزايدة الفارغة.

فمكناس لا تحتاج إلى معارضة تصرخ حين يتم إقصائها، وتصمت حين تستفيد. لا تحتاج إلى خطاب مزدوج، ولا إلى أخلاق موسمية.  بل تحتاج إلى وضوح، وإلى شجاعة سياسية تعترف بالأخطاء بدل الهروب منها، وإلى معارضة تراقب بصدق لا تبتز، وتنتقد من موقع المصلحة العامة لا من موقع تصفية الحسابات اليياسية.

فريق البيجيدي ما بعد انتخابات 2021 لا يريد أن يستوعب أن المكناسين فهموا اليوم أكثر من أي وقت مضى أن ما يجري داخل المجلس ليس معركة من أجل النظافة، ولا من أجل العمال، بل صراع حول من يملك الحق في التحكم. ومع هذا الفهم، تسقط كل الأقنعة، ويظهر الوجه الحقيقي لمن أتقنوا طويلا فن الاختباء خلف الشعارات.

والأيام القادمة كفيلة بأن تكشف أكثر، لأن من اعتاد إدارة الشأن العام بمنطق “كل شيء جميل حين ندبر، وكل شيء فاسد حين نعارض:، لا يمكنه أن يصمد طويلا أمام ذاكرة مدينة بدأت تستعيد وعيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *