طنجة بين فضيحتين وصمت الوالي التازي.. هل تعطلت آليات الرقابة أم علقت عمدا؟

ما جرى بطنجة خلال الأسابيع الأخيرة لا يمكن اختزاله في تزامن عرضي لملفين إداريين ثقيلين، ولا في أخطاء تقنية معزولة يمكن احتواؤها بخرجات مصورة أو توضيح متأخر. نحن أمام وقائع موثقة، حدثت في ظرف زمني قصير، وتحمل من الجسامة ما يجعل سؤال المسؤولية والمساءلة مطروحا بإلحاح، لا باعتباره ترفا سياسيا، بل ضرورة مؤسساتية لحماية ما تبقى من الثقة في منظومة الرقابة.

القضية الأولى تتعلق بملف ملعب البادل بحي بوبانة، حيث جرى منح ترخيص لبناء غير مرخص أصلا، رغم وجود محاضر رسمية تثبت المخالفة، ورأي صريح للوكالة الحضرية، ونزاع قضائي رائج أمام المحكمة. خطورة هذا الملف لا تكمن فقط في خرق قانون التعمير، بل في الرسالة التي يبعثها للمواطن البسيط، مفادها أن القانون يمكن تجاوزه إذا توفرت الحماية المناسبة، وأن المخالفات قد تتحول إلى أمر واقع بتم تسويته لاحقا، وهو ما يقوض مبدأ المساواة أمام القانون ويضرب ثقة الناس في عدالة الإدارة.

أما الملف الثاني، المرتبط بمواقف السيارات تحت أرضي بسوق سيدي بوعبيد، فيتجاوز سوء التدبير إلى مستوى تعريض المال العام للخطر. فهنا نتحدث عن استغلال مرفق عمومي دون سند قانوني، وعن حكم قضائي ضد الشركة المستغلة، ثم عن رفع ضمانة بنكية دون مبرر واضح، مع استمرار الاستغلال لأشهر دون تحرير محضر تسليم أو حماية مصالح الجماعة. بالنسبة للمواطن، هذا يعني شيئا واحدا، أن المال العمومي الذي يفترض أن يمول خدماته الأساسية يمكن أن يضيع في صمت، دون محاسبة، ودون أثر مباشر على المسؤولين عن هذا الخلل.

حين نجمع بين هذين الملفين في زمن قياسي، يصبح سؤال المسؤولية الإدارية مشروعا، خصوصا وأن القانون لا يضع الوالي التازي في موقع المتفرج، بل يمنحه صلاحيات واضحة للرقابة القبلية والبعدية، وللتدخل عند وجود خروقات جسيمة تمس التعمير أو المرافق العمومية أو المال العام. هذه الصلاحيات ليست رمزية، بل جوهرية في هندسة الحكامة الترابية، واستعمالها أو عدمه ليس مسألة تقنية، بل قرار له دلالته السياسية والمؤسساتية.

هنا لا يتعلق الأمر بتوجيه اتهامات جاهزة، بل بقراءة هادئة لوقائع صلبة. غير أن الصمت، حين يستمر أمام ملفات بهذه الخطورة، لا يقرأ حيادا، بل يؤول على أنه تعطيل لآليات الرقابة أو انتظار لتوازنات غير معلنة. وهذا ما يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة، هل نحن أمام عجز إداري عن المواجهة، أم أمام حسابات سياسية تجعل تطبيق القانون انتقائيا، أم أمام تردد غير مبرر في تفعيل صلاحيات واضحة؟

المفارقة أن وزارة الداخلية راكمت خلال السنوات الأخيرة صورة مؤسساتية قائمة على الحزم وعدم التساهل مع خروقات التعمير وسوء تدبير المرافق العمومية في مدن أخرى. لذلك، فإن استمرار الصمت في حالة طنجة يخلق تناقضا صريحا، ويضع السلطة الوصية نفسها في دائرة الإحراج، لأن الدولة القوية لا تطبق القانون بميزانين، ولا تسمح بأن تتحول بعض المجالات الترابية إلى مناطق رمادية.

وعندما يطرح سؤال العزل، فإنه لا يطرح من باب الإثارة، بل من زاوية قانونية بحتة. فالعزل، وفق القوانين التنظيمية، لا يشترط صدور حكم جنائي، بل يكفي ثبوت الخطأ الجسيم، أي خرق القوانين، أو المساس بالمرفق العام، أو تعريض المال العام للخطر. وهذه معايير ليست نظرية، بل طبقت في حالات سابقة أقل خطورة من حيث الأثر المالي والمؤسساتي مما نراه اليوم.

الأخطر في هذه الملفات ليس مضمونها القانوني فقط، بل أثرها الرمزي. فعندما يرى المواطن أن محاضر رسمية وأحكاما قضائية لا تنتج رد فعل واضحا، تتآكل ثقته في مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويتحول الصمت من استثناء إلى قاعدة، ومن إجراء إداري إلى تطبيع مع الخلل.

طنجة اليوم ليست أمام نزاعين إداريين عابرين، بل أمام لحظة اختبار حقيقي لجدية الدولة في فرض احترام القانون دون انتقائية. فإما تدخل واضح يعيد الأمور إلى نصابها، ويؤكد أن الرقابة ليست شعارا، وإما استمرار الصمت، وهو خيار قد تتم قراءته مستقبلا على أنه تقصير في ممارسة الاختصاصات.

وبين هذين المسارين، يبقى سؤال واحد معلقا بقوة في وعي الرأي العام المحلي هل ما يحدث مجرد تعقيد إداري عابر، أم أن الملفات أكبر من ذلك، وهل الصمت الوالي التازي تأخر تقني أم اختيار محسوب. سؤال واحد، لكنه كفيل بتحويل هذا النقاش من شأن محلي إلى قضية ثقة في الدولة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *