من فاس إلى أسفي.. حين يصبح الصمت الرسمي شريكا في القتل

بقلم | فؤاد السعدي

لم تكن فيضانات آسفي حدثا معزولا أو عابرا، ولا مفاجأة من صنع السماء، ولا صفحة أخرى في سجل ما يسمى بالكوارث الطبيعية التي اعتدنا استدعاءها كلما جرفت السيول أرواح الفقراء. بل كانت نتيجة متوقعة لمسار طويل من الاختيارات الخاطئة التي راكمت الخطر ثم تركته ينفجر في وجه المدينة وساكنتها، وكأنها مناطق قابلة للتضحية. ففي أقل من ساعة، تحولت الأمطار إلى سيول جارفة حصدت الأرواح، لكن ما جرفته قبل ذلك كان وهم الاطمئنان إلى دولة تحمي مواطنيها من الكوارث، لا دولة تكتفي بإحصاء ضحاياها بعد وقوعها، في إدانة سياسية وأخلاقية لنمط تدبير يرى في الكارثة قضاء وقدرا، وفي المحاسبة خطرا يجب تفاديه.

من فاس إلى آسفي، يتكرر السيناريو نفسه بشكل مقلق. بنايات آيلة للسقوط، وبنية تحتية مهترئة، وتحذيرات متكررة، ثم صمت طويل إلى أن تقع الفاجعة، بعدها تتحرك الآلة الرسمية ببرودها المعتاد، عبر بلاغات تقنية وكلمات معقمة ووعود بفتح تحقيقات غالبا ما تنسى مع مرور الوقت. ويبقى الغائب الأكبر هو المسؤول السياسي، ذاك الذي يفترض أن ينزل إلى الميدان لا للمواساة فقط، بل للاعتراف والشرح وتحمل نصيبه من المسؤولية، حتى ولو كانت المسؤولية في المغرب تدار عن بعد، وتعالج الكارثة بالتصريحات فقط.

الخطير في مأساة آسفي أنها تكشف بوضوح كيف ترتب الأولويات، وتفضح محاولة تقديم ما وقع كحادث طبيعي لا يمكن توقعه أو تفاديه، في حين تشير الوقائع إلى العكس تماما. فقد أُقيم سور لحماية بنية مرتبطة بالفوسفاط، ثروة البلاد، فحبس المياه وحول مجراها نحو المدينة، بينما ترك السكان دون حماية حقيقية. كما أن قرارات هندسية اختارت حماية منشآت اقتصادية حيوية على حساب التوازن الطبيعي لجريان المياه، حولت المدينة إلى مصيدة قاتلة مع أول عاصفة قوية. هنا يصبح السؤال جوهريا هو، من نحمي أولا، الإنسان أم المنشأة؟ وحين نعلم أن السلطات كانت على دراية بمخاطر الفيضانات وبنقاط الضعف في التخطيط العمراني، يتحول الحديث عن تقلبات مناخية إلى محاولة مكشوفة للهروب من المحاسبة.

في هذا السياق، لا يعود السؤال لماذا هطلت الأمطار، بل لماذا لم تكن المدينة مستعدة لها، على اعتبار أن الدولة، بمختلف مستوياتها، تعرف خرائط المخاطر، وتتوفر على تقارير ودراسات، وتصادق سنويا على ميزانيات مخصصة لمواجهة الكوارث. ومع ذلك، تتكرر المآسي بالسيناريو نفسه، ما يعني أن الخلل ليس في المعرفة ولا في الموارد، بل في الإرادة السياسية، وفي منطق تدبير يفضل الترقيع بعد الكارثة على الوقاية قبلها.

وهنا تكتسب مسألة عدم إعلان آسفي منطقة منكوبة دلالتها السياسية العميقة. فإعلان منطقة منكوبة ليس إجراء إداريا فحسب، بل اعتراف رسمي بوجود تقصير يستوجب تعبئة استثنائية للموارد ومساءلة حقيقية للمسؤولين. لذلك يفهم تجنب الحكومة لهذا الإعلان باعتباره تفاديا لكلفته السياسية والقانونية، لأنه يفتح الباب أمام مساءلة مباشرة حول البنية التحتية، والتراخيص، والصفقات، وأوجه صرف المال العام، ليصبح بالتالي الهروب من هذا الإعلان هو في جوهره هروب من المحاسبة.

فالاعتماد على صندوق الكوارث بدل إعلان صفة منطقة منكوبة يسمح بتدبير الأزمة في حدها الأدنى، دون فتح نقاش عمومي واسع حول المسؤوليات. وهو منطق سبق اعتماده في كوارث سابقة، من فيضانات طاطا إلى زلزال الحوز، حيث جرى احتواء الغضب بدل معالجة جذوره، غير أن هذا الاختيار لا يلغي الحقيقة، بل يؤجلها، ويجعل كل مدينة مغربية مرشحة لتكرار السيناريو نفسه.

اليوم لا يمكن اختزال المسؤولية بآسفي في أخطاء تقنية أو تقلبات مناخية، بل هي مسؤولية سياسية تتحملها الحكومة الحالية، كما تتحملها الحكومات المتعاقبة والمجالس المنتخبة والإدارة الترابية التي أدارت المدينة بمنطق الحد الأدنى من التدخل. أما ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص الدستور، يفقد معناه حين لا يفعل عند سقوط الضحايا، وحين يظل شعارا حاضرا في الخطب وغائبا في الأزمات.

ما تحتاجه آسفي اليوم ليس فقط جبر الضرر، بل تغيير منطق التعامل مع الكوارث. تحتاج إلى شجاعة سياسية تعترف بالفشل قبل البحث عن شماعات، وإلى قرارات واضحة تعلن المدينة منطقة منكوبة، وتفتح تحقيقا مستقلا لا يخضع لمنطق النسيان، وتحدد المسؤوليات دون انتقائية. غير ذلك سيبقى مجرد إدارة للغضب، في انتظار فاجعة أخرى، في مدينة أخرى، وبالبلاغات نفسها.

آسفي اليوم ليست فقط مدينة منكوبة بالسيول، بل مدينة كشفت، بدماء أبنائها، حدود النموذج القائم في تدبير المخاطر. وإذا لم تتحول هذه الفاجعة إلى نقطة مراجعة حقيقية للسياسات العمومية، فإن السؤال لن يكون متى ننسى ضحايا آسفي، بل أين ستكون الفاجعة المقبلة، وكم سيكون عدد ضحاياها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *