ضمانات مرفوعة واستغلال بلا حماية.. كيف تورطت جماعة طنجة في ملف موقف السيارات

تجد رئاسة جماعة طنجة نفسها، خلال الشهور الأخيرة، في قلب عاصفة متلاحقة من الفضائح والتدبير المرتبك، عاصفة لم تعد مجرد انتقادات عابرة، بل تحولت إلى وقائع موثقة وأحكام قضائية ومعطيات رسمية تضع المسؤول الأول عن تدبير الشأن المحلي، منير ليموري، في وضع سياسي وإداري بالغ الإحراج. فصورة “التدبير العصري” التي تم الترويج لها مع بداية الولاية، تتآكل اليوم تحت وطأة ملفات ثقيلة تكشف اختلالات بنيوية في إدارة المرافق الجماعية، وعلى رأسها ملف مواقف السيارات.

أولى الضربات القوية جاءت من المحكمة الإدارية، التي أصدرت حكما يقضي بتغريم شركة “صوماجيك” مبلغ عشرين مليون سنتيم لفائدة اتحاد الملاك المشتركين لإقامة “باهية أزهار” بمحج محمد السادس، بسبب استغلال موقف سيارات لا يدخل أصلا ضمن الملك الجماعي منذ يناير 2018. حكم قضائي لم يكن عاديا في دلالاته، لأنه أعاد فتح ملف علاقة الجماعة بشركات التدبير المفوض، وكشف بالملموس كيف يمكن لتهاون إداري أو تواطؤ صامت أن ينعكس مباشرة على حقوق المواطنين وعلى مصداقية المؤسسات المنتخبة.

غير أن ما خفي في ملف موقف سيدي بوعبيد بساحة 9 أبريل يبدو أخطر مما ظهر في قضية “باهية أزهار”. فوثائق رسمية تؤكد أن رئيس جماعة طنجة أقدم، في أواخر دجنبر 2024، على رفع اليد عن الضمانة البنكية المحددة في مليون درهم، بناء على طلب فسخ العقد الذي تقدمت به الشركة المغربية للركن التابعة لمجموعة صوماجيك. قرار يطرح أكثر من علامة استفهام، ليس فقط حول توقيته، بل حول تبعاته القانونية والمالية.

الأخطر أن الشركة واصلت استغلال موقف سيدي بوعبيد لمدة ستة أشهر كاملة، من يناير إلى نهاية يونيو 2025، دون أن تتوفر الجماعة على أي ضمانة بنكية سارية المفعول. ستة أشهر من الاستغلال لمرفق عمومي خارج أي حماية قانونية للمال العام، في خرق واضح وصريح للقوانين المؤطرة لتدبير المرافق الجماعية. والأدهى من ذلك أن محضر تسليم المرفق للجماعة لم يتم تحريره إلا في يوليوز 2025، أي بعد انتهاء فترة الاستغلال، في مشهد يعكس استهتارا غير مسبوق بأبسط قواعد الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

أما القانون التنظيمي للجماعات ودفاتر التحملات النموذجية فلا يتركان أي مجال للتأويل في هذا الباب. فالضمانة البنكية ليست إجراء شكليا، بل آلية جوهرية لحماية حقوق الجماعة وضمان تنفيذ الالتزامات التعاقدية. وأي استغلال لمرفق عمومي دون ضمانة أصلية وسارية يشكل مخالفة جسيمة، قد تترتب عنها مسؤوليات إدارية ومالية، بل وحتى جنائية إذا ثبت الضرر أو التقصير المتعمد.

وفي خضم هذا الملف، تبرز تساؤلات أكثر حساسية حول ما إذا كانت الشركة قد حولت فعلا مبلغ خمسين مليون سنتيم، وهو المقابل المفترض لاستغلال المرفق لمدة ستة أشهر، علما أن القيمة السنوية محددة في مئة مليون سنتيم. صمت الجماعة عن هذا المعطى المالي يزيد من غموض الملف، ويغذي الشكوك حول طريقة تدبير العائدات المرتبطة بمرافق يفترض أنها تشكل موردا مهما لميزانية المدينة.

المؤشرات الحالية توحي بأن هذا الملف لن يمر مرور الكرام، إذ من المرتقب أن يدفع السلطة الوصية إلى فتح تدقيق شامل في جميع عقود استغلال مواقف الركن، خاصة بمنطقة الكورنيش، مع التركيز على مسألة الضمانات البنكية والتأكد من توفر الجماعة على أصولها وليس مجرد نسخ منها، كما يفرض ذلك القانون. تدقيق قد يكشف أن ما جرى في سيدي بوعبيد ليس استثناء، بل جزءا من نمط تدبيري يفتقر للصرامة واليقظة.

وما يزيد من حدة الإحراج السياسي أن مفتشية وزارة الداخلية كانت قد نبهت، منذ نهاية مرحلة تسيير حزب العدالة والتنمية للجماعة، إلى خروقات مماثلة مرتبطة بالضمانات البنكية وتدبير مرافق الركن. وهو ما يسقط نهائيا أي ادعاء بالجهل بالقانون، سواء عن رئيس الجماعة أو عن نائبته المفوض لها تدبير هذا القطاع.

هكذا، يتحول ملف مواقف السيارات من مرفق حضري عادي إلى مرآة تعكس أزمة ثقة حقيقية في تدبير الشأن المحلي بطنجة. أزمة عنوانها قرارات مثيرة للريبة، وغياب الشفافية، وتراكم اختلالات لم يعد ممكنا تبريرها بالأخطاء التقنية أو الهفوات الإدارية. ومع توالي هذه المعطيات، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هناك خروقات، بل إلى أي حد ستفعل آليات المساءلة، ومن سيتحمل فعليا كلفة هذا العبث بمرافق يفترض أنها ملك لجميع الطنجيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *