بلاغ رسمي يعري الرواية.. لجنة حماية المعطيات تفضح ادعاءات يونس مجاهد وتحاصره في الزاوية

تفجرت من جديد أزمة الثقة داخل قطاع الصحافة، لكن هذه المرة ببلاغ رسمي حاسم قطع مع الغموض ووضع النقاط على الحروف. فبعد أن حاول يونس مجاهد، رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر، تبرير عدم نشر لوائح الصحافيين الحاصلين على بطاقة الصحافة المهنية بالاحتماء وراء اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، خرجت هذه الأخيرة لتنسف الرواية من أساسها، وتعلن بشكل واضح أنها غير مسؤولة إطلاقا عن هذا القرار، وأن الموضوع لا يدخل ضمن اختصاصاتها القانونية.

بلاغ اللجنة الوطنية لم يكن عاديا ولا تقنيا باردا، بل جاء محملا برسائل سياسية ومؤسساتية دقيقة. إذ أكدت أنها ليست ضد نشر اللوائح، وأنها عبرت عن هذا الموقف في مناسبات سابقة، كما شددت على أنها غير معنية بالشؤون التنظيمية المرتبطة بالتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة. والأهم من ذلك، أنها نبهت صراحة إلى ضرورة عدم الزج بها في قضايا لا ترتبط بصلاحياتها، في إشارة واضحة إلى محاولة تحميلها مسؤولية قرار لم تتخذه.

بهذا البلاغ، لم تعد قضية عدم نشر اللوائح مجرد خلاف إداري أو تأويل قانوني، بل تحولت إلى سؤال أخلاقي وسياسي حول طريقة تدبير مرحلة يفترض أنها انتقالية، وحول حدود الصدق في التواصل مع الرأي العام. فحين يقدم مبرر غير دقيق، ويتم تسويق “المنع” باسم مؤسسة مستقلة، بينما هذه المؤسسة نفسها تنفي ذلك جملة وتفصيلا، فإن الأمر يتجاوز سوء التقدير إلى ما يشبه التضليل.

القضية هنا لا تتعلق بمعطيات شخصية حساسة أو أسرار خاصة، بل بلوائح مهنية يفترض أن تكون علنية بحكم طبيعتها، لأنها تمس جوهر الشفافية وتكافؤ الفرص داخل المهنة. حجب هذه اللوائح يفتح الباب أمام الشك، ويغذي الإحساس بوجود انتقائية أو غموض في مسار منح البطاقة، وهو ما يسيء إلى صورة المهنة أكثر مما يحميها.

بلاغ اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية أعاد النقاش إلى مربعه الحقيقي، وجرد اللجنة المؤقتة من آخر مبرراتها. واليوم، لم يعد السؤال المطروح هو من منع النشر، بل لماذا لم يتم النشر أصلاً، ولماذا اختير هذا الأسلوب في تبرير القرار. كما يطرح البلاغ سؤالا أعمق حول مدى التزام القائمين على تدبير شؤون الصحافة بمبادئ الحكامة الجيدة، وفي مقدمتها الوضوح وتحمل المسؤولية.

في سياق يتسم أصلا بهشاشة الثقة بين الصحافيين ومؤسسات تنظيم المهنة، كان من المفترض أن تكون الشفافية أولوية قصوى، لا عبئا يتم الالتفاف عليه. فتنظيم مهنة الصحافة لا يستقيم بالحجب ولا بتبادل الأعذار، بل بإتاحة المعلومة، واحترام عقول المهنيين، والتعامل معهم باعتبارهم شركاء لا رعايا.

ما كشفه هذا البلاغ هو أن الأزمة أعمق من مجرد لوائح غير منشورة، إنها أزمة تدبير واختيارات، وأزمة خطاب يحاول في كل مرة البحث عن شماعة خارجية. لكن حين تخرج هذه الشماعة لتعلن أنها غير معنية، فإن الحقيقة تصبح عارية، ولا يبقى أمام المسؤولين سوى خيار واحد وهو قول الحقيقة كاملة، أو تحمل تبعات الصمت والمراوغة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *