بين تنصل الحكومة.. أم خيانة التنسيق النقابي؟ الحقيقة الضائعة التي دفعت الشغيلة الصحية ثمنها غاليا

في الوقت الذي يواصل فيه التنسيق النقابي الوطني قرع طبول الاحتجاج متهما الحكومة ووزارة الصحة بـ”التنصل من اتفاق 23 يوليوز 2024″، يكشف الواقع أن هذه الأسطوانة المتكررة تستند إلى اتفاق غير موجود أصلا، لأن الاجتماع المنعقد في يوليوز لم يخلف أي وثيقة رسمية موقعة بين الطرفين، ورغم ذلك ظل التنسيق النقابي يقدمه للرأي العام وكأنه وثيقة ملزمة، بينما الحقيقة أن أي التزام قانوني لا يبنى على جلسة نقاش شفوية، بل على محضر مكتوب وموقع، وهو ما لم يوجد قط.
هذا الغموض لم يكن مجرد تفصيل تقني، بل أصبح مدخلا لخلق سردية نقابية تقوم على “بيع الوهم”، وتقديم الوزارة كطرف متنصل من التزام لم يبرم أصلا، وتعميق الفوضى داخل القطاع. ورغم خطورة هذا التضليل، فإن ما تكشفه الأسابيع الأخيرة في جهة طنجة يفضح بشكل أوضح حجم الهوة بين خطاب النقابات وواقع الشغيلة الصحية.
فمع دخول نظام “مجموعة الصحة الترابية” حيز التنفيذ، بدأت تطفو على السطح اختلالات حقيقية مست في العمق مكتسبات ظل المهنيون يستفيدون منها لسنوات. وكان المنتظر أن يكون التنسيق النقابي في مقدمة المدافعين عنها، فإذا به يصمت، بل يتغاضى عن التراجعات وكأن الأمر لا يعنيه.
أول هذه المكتسبات التي تم إقبارها فعليا يتعلق بنظام التعويضات عن الحراسة، على اعتبار أن الصيغة القديمة كانت واضحة، تمنح المهني 200 درهم عن كل يوم حراسة، بينما الصيغة الجديدة لا تتجاوز 3000 درهما في السنة. ورغم أن النظام الوطني لـ GST أقر العمل بالمكتسب القديم بالجهة التي طبقت النظام أولا، إلا أن جهة طنجة لم تفعله، لتتبخر بهذا الشكل حقوق مئات المهنيين دون أن يصدر عن النقابات ما يكفي من موقف أو حتى توضيح.
المكتسب الثاني، وربما الأهم، يتعلق بمنظومة التحفيز داخل المستشفيات الجامعية، حيث كان المهنيون يستفيدون من “الشهر 13” بناء على التنقيط، وهو تعويض محترم يسد جزءا من التفاوتات المالية داخل القطاع. ومع دخول نظام المجموعات الترابية للصحة، اختفى هذا الحق تماما، بل بات يتعامل معه كأنه لم يكن، لا في لوائح التحفيز ولا في المساطر الجديدة. وكل هذا يحدث علانية وعلى مرأى النقابات التي ترفع شعار “الدفاع عن المكتسبات”، بينما الواقع يشهد بأن هذه المكتسبات تم دفنها دون مقاومة تذكر.
وبعد هذا المشهد، يصبح من المشروع التساؤل حول حقيقة وظيفة التنسيق النقابي اليوم، وهل ما يقدمه للمهنيين نضال حقيقي أم مجرد عمليات تعبئة موسمية ترتكز على شعارات تقال أكثر مما تنفذ. فإذا كانت النقابات صامتة أمام ضياع حقوق ثابتة، فكيف يمكن الوثوق بخطابها بخصوص اتفاق غير موجود؟ وكيف يمكن أن يكون هناك “تنصل من التزامات” في غياب أي التزام مكتوب أصلا؟
وتزداد الصورة قتامة حين ننظر إلى ما يحدث اليوم بطنجة من ضجيج غير مسبوق حول امتحانات الكفاءة المهنية والترقيات، حيث تتناسل الشكايات وتتعالى الاتهامات وتختلط المساطر بالتأويلات والاجتهادات الشخصية. ولو كان اتفاق 23 يوليوز موجودا لحدد آليات واضحة وقطع الطريق على كل هذا التخبط، لكن غياب الوثيقة ترك الباب مفتوحا أمام كل أشكال التأويل والممارسات غير المتوازنة من زبونية ومحسوبية.
وأما الحقيقة التي لا يمكن تغطيتها هي أن النقابات أخفت على الشغيلة ما يجب أن يعرفوه، واستثمرت في ضبابية اتفاق 23 يوليوز بدل كشفه للرأي العام. وها هي النتائج اليوم تنعكس مباشرة على المهنيين الذين فقدوا مكتسبات حقيقية، بينما يُقدَّم لهم خطاب احتجاجي يقوم على اتفاق غير موجود.
إن قطاع الصحة لا يحتاج إلى شعارات بل إلى وضوح، ولا يحتاج إلى تعبئة مفتعلة بل إلى تمثيلية حقيقية. وما لم تكشف الحقائق كاملة، وتتحمل كل جهة مسؤوليتها السياسية والتنظيمية، سيظل المهنيون هم الحلقة الأضعف في معادلة لا ينبغي أن يكونوا ضحيتها.
ولا زالت القصة مستمرة..