طنجة تبحث عمن يقودها.. عمدة يطارد الكاميرات وملفات المدينة معلقة

تعيش مدينة طنجة مفارقة لافتة يصعب تجاهلها، ففي الوقت الذي تتقدم على المستوى الوطني والدولي كأحد أهم الأقطاب الاقتصادية والعمرانية بالمغرب، تتراجع على مستوى التدبير المحلي الذي يفترض أن يكون المحرك الأساسي لضمان انسجام هذا التطور واستدامته، على اعتبار أن الصورة المشرقة التي تعطيها المشاريع الكبرى لا تجد في المقابل تدبيرا جماعيا يوازي حجم المدينة ولا سقف انتظارات سكانها.
فمنذ بداية الولاية الحالية، طغت على يوميات العمدة الليموري وتواصله الرسمي كثافة غير مسبوقة في الأنشطة من استقبال وفود، وتوقيع اتفاقيات، وحضور ملتقيات، وتنظيم لقاءات، وتعدد الظهور الإعلامي. ورغم أن هذا النوع من الحركية لا يشكل خطأ في حد ذاته، إلا أنه يصبح كذلك حين يتحول إلى بديل عن الإنجاز الفعلي على الأرض، لأن طنجة لا تحتاج مسؤولا يملأ الزمن بالصور، بل مسؤولا يملأ الواقع بالقرارات التي تحدث فرقا ملموسا في حياة الطنجاويين.
اليوم تواجه المدينة تحديات حقيقية ومعقدة سواء في النقل الحضري، أو في تدبير الفضاء العام، أو في صيانة البنيات التحتية، أو في معالجة العشوائية العمرانية، أو حتى في الولوج إلى الخدمات الأساسية داخل الأحياء الهامشية. كل هذه الملفات تواصل الدوران في مكانها، دون أن تخرج بقرارات جريئة أو مخططات واضحة. ويزداد الشعور بالخيبة حين يرى المواطن أن الأولويات تستبدل بأنشطة بروتوكولية لا تغير شيئا في يومياته، بينما تنتظر العديد من المناطق مجرد إصلاح طريق أو تنظيم مرور أو معالجة إنارة ظلت معطلة لأسابيع.
صحيح أن طنجة مدينة تنمو بسرعة، لكنها في الوقت نفسه مدينة تتطلب متابعة دقيقة وميدانية، وتدبيرا صارما للملفات، وقدرة على مواجهة المصالح المتداخلة التي كثيرا ما تعرقل الإصلاح المحلي. وللأسف، غاب هذا النفس العملي عن الولاية الحالية، ليحل محله حضور إعلامي كثيف لا يعكس واقع المخرجات الحقيقية للمجلس.
ففي الوقت الذي تنتظر فيه المدينة قرارات مصيرية في النقل، وفي التعمير، وفي إعادة تنظيم الملك العام، وفي حماية الفضاءات الخضراء، ينشغل المسؤول الأول عن الجماعة بمعارك جانبية، وبتراكم الأنشطة التي لا تترجم إلى أثر ميداني. وبالتالي، النتيجة واضحة وهي أن طنجة تخسر وقتا ثمينا من زمنها التنموي، وتفقد فرصا كان يمكن أن تدفع بها خطوات إضافية إلى الأمام.
ليس مطلوبا من العمدة أن يختفي عن الأنظار، لأن التواصل جزء من مهامه، ولكن المطلوب أن يكون هذا الحضور متبوعا بإنجازات حقيقية، لا أن يتحول إلى غاية في حد ذاته. فقيادة مدينة بحجم طنجة ليست وظيفة بروتوكولية، بل مسؤولية استراتيجية تتطلب رؤية وصرامة وجرأة ووجودا فعليا في الميدان لا في الصور.
سكان طنجة اليوم لا يطلبون الكثير فقط طريقا معبدا، وخدمات تستجيب لاحتياجاتهم، وبنية تحتية لائقة، ونقلا حضريا محترما، ومدينة منظمة. وهي مطالب بسيطة في الظاهر، لكنها تتطلب قيادة محلية تدرك أن الزمن التنموي لا ينتظر، وأن المدينة بحاجة لمن ينشغل بها لا بمنشوراته.
الحكم على التدبير لا يكون بعدد الأنشطة، بل بما تغير فعلا في حياة الناس، وبما تحقق من وعود، وبما ترجم من رؤى إلى مشاريع وقرارات. وحتى الآن، يبقى السؤال مطروحا بإلحاح وهو هل تستحق طنجة هذا القدر من تضييع الفرص، أم أن الوقت قد حان لقيادة تنصت للمدينة أكثر مما تنصت للبروتوكول؟ لإن طنجة، بكل وزنها ورمزيتها، تحتاج من يقودها لا من يكتفي بمرافقتها في الصور.