فضيحة بيئية بمجاط بمكناس.. من رخص لهذه الكارثة؟ ومن يغطي على آثارها الخطيرة؟

في قلب الحي الصناعي مجاط بمكناس تتخذ فضيحة بيئية خطيرة شكلها الكامل أمام أعين الجميع. فالوحدة الصناعية المكلفة بمعالجة النفايات الطبية والصيدلانية، والتي يفترض أن تكون درعا واقيا لحماية الصحة العامة والبيئة، تحولت إلى مصدر تلوث يومي ينبعث منه دخان خانق وروائح كريهة وبقايا نفايات غير محروقة، في مشهد يختلط فيه الإهمال بالتساهل وربما بما هو أسوأ. وما يزيد من خطورة الوضع أن الشركات المجاورة التي تشتغل في قطاع حساس كالصناعة الغذائية باتت تشعر بأن منتجاتها مهددة، وأن بيئة العمل لم تعد آمنة، وأن صحة أجرائها معرضة للخطر مع كل يوم يمر.

المثير للدهشة أن هذا الواقع البين لم يمنع اللجنة المختلطة، التي ضمت ممثلين عن العمالة والجماعة ووحدة متخصصة في حماية البيئة تابعة للدرك الملكي، من إصدار تقرير يؤكد أن الوحدة الصناعية تحترم المعايير، وأن عملية معالجة النفايات تتم بشكل سليم. هذا التصريح أثار موجة من الاستغراب والاستياء، لأن ما يرصده العاملون والجيران يوميا يناقض كل ما جاء في التقرير. فكيف يمكن للجنة ميدانية ألا تشم الروائح التي تشمها كل الشركات المجاورة؟ وكيف لم تلحظ الدخان المتصاعد ولا بقايا النفايات غير المحروقة التي تتسرب إلى محيط المصنع؟ ومن أين جاءت هذه الطمأنة غير المفهومة والتي تبدو منفصلة تماماً عن الواقع؟

الخطير في الأمر أن الشركات المجاورة لم تكتف بالتبرم والاحتجاج، بل قامت بإجراء بحث خاص بها أثبت وجود روائح خانقة وآثار تلوث وانبعاثات غير سوية. ورغم ذلك جاء التقرير الرسمي ليقدم صورة وردية لا علاقة لها بالمعاينات اليومية. وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة وهو، هل نحن أمام ارتباك في التقييم أم أمام تواطؤ ضمني يحاول حماية جهة ما على حساب صحة الناس وسلامة البيئة؟ وكيف يمكن تفسير هذا التضارب الصارخ بين ما يراه الجميع وما كتبته اللجنة في تقريرها؟

قضية هذه الوحدة الصناعية لا تطرح فقط مشكلا بيئيا، بل تضعنا أمام خلل مؤسساتي خطير يرتبط بطريقة تدبير الأنشطة الحساسة. فالمكان الطبيعي لمثل هذه الأنشطة ليس وسط حي صناعي يضم وحدات لإنتاج مواد غذائية، بل بالقرب من المطارح العمومية أو في مناطق معزولة معدة خصيصا لمعالجة النفايات الخطيرة. وهذا يعيدنا إلى السؤال الجوهري حول الجهة التي رخصت لهذا المشروع في هذا الموقع، وكيف مرّ هذا القرار دون دراسة أثر واضحة تراعي مبدأ الاحتراز وحق الساكنة والفاعلين الاقتصاديين في بيئة سليمة.

كما أن وضع سجل من 399 صفحة رهن إشارة العموم لمدة عشرة أيام وفق القانون 12.03 لا يكفي لضمان الشفافية إذا كان الرأي العام لا يجد صدى في القرارات النهائية. فالبحث العمومي لا جدوى منه عندما تتحول الشكايات إلى مجرد حبر على ورق، وعندما تصدر التقارير الرسمية دون أن تأخذ المعطيات الميدانية بعين الاعتبار. وهو ما يطرح علامات استفهام حول قيمة هذه المساطر إن كانت مآلاتها محسومة سلفا.

ولأن المخاطر لم تعد مفترضة بل ملموسة، فإن السكوت على هذا الوضع يعتبر مشاركة مباشرة في تعريض المواطنين للتلوث وفي تهديد سمعة قطاع غذائي حيوي. فالمسؤولية اليوم تقع على عاتق السلطات المحلية والمركزية وكل المؤسسات التي لها علاقة بمراقبة الأنشطة الصناعية، لأن استمرار هذا الوضع يعني قبول الانزلاق نحو كارثة بيئية وصحية ستدفع المدينة ثمنها غاليا.

لقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، فإما فتح تحقيق مستقل ونزيه يعيد الأمور إلى نصابها، ويحدد المسؤوليات بدقة، ويراجع الترخيص من أساسه، وإما ستبقى الفضيحة طي الصمت المؤسسي الذي اعتدناه في مثل هذه الملفات. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت هذه القضية ستكون بداية القطع مع منطق تمرير المشاريع الخطيرة بلا حسيب ولا رقيب، أم أنها ستضاف إلى سلسلة طويلة من الاختلالات التي تُطوى دون مساءلة. الجواب سيتحدد بسرعة، وسيكشف حجم جدية المؤسسات في حماية صحة المواطنين قبل حماية أي جهة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *