احتجاجات نقابات الصحة بطنجة.. توقيت ملتبس وصمت مريب عن أصل الداء

المستقل | فؤاد السعدي
تعيش طنجة هذه الأيام موجة جديدة من الاحتجاجات داخل قطاع الصحة، بعدما أعلن التنسيق النقابي مقاطعة انتخابات المجموعة الصحية الترابية وتنظيم وقفات في مختلف الأقاليم. غير أن قراءة هادئة للمشهد تكشف أن الأمر يتجاوز حدود المطالب المهنية، ليمس جوهر الإشكال الحقيقي الذي تتجنب النقابات الاقتراب منه، وكأنها تخشى أن تصطدم بالحقيقة المزعجة التي يعرفها الجميع.
وأما الحقيقة الأولى فهي أن قطاع الصحة بطنجة يدار اليوم برأسين؛ مديرية جهوية من جهة، ومجموعة صحية ترابية من جهة أخرى. هذا الازدواج في القيادة خلق ارتباكا واضحا في القرارات والتوجيهات، وجعل المهنيين في مواجهة تعليمات متناقضة أحيانا، وممارسات غير منسقة في أغلب الأحيان. ورغم أن التنسيق النقابي يدرك تماما أن هذه الازدواجية هي أصل الداء، ويعرف أن أصل الإشكال ليس فقط في “قرارات مدير المجموعة الصحية بطنجة”، ولا في الانتخابات “المعيبة” كما وصفها، بل في غياب انسجام هيكلي يجعل القطاع يسير في اتجاهين متعارضين. ومع ذلك، اختار البلاغ أن يقفز فوق هذه الحقيقة، ويركز فقط على الأعراض، لا على المرض الحقيقي.
واللافت أكثر أن النقابات قررت التصعيد ومقاطعة انتخابات مجلس إدارة المجموعة الصحية، وهي خطوة تبدو لأول وهلة تعبيرا عن احتجاج قوي، لكنها في العمق تنازل عن مقعد القرار لصالح آخرين. فالمقاطعة هنا ليست مجرد موقف، بل هي ترك للمجموعة لتدار بمنطق “من حضر يقرر”، وهو قرار يطرح سؤالا حادا وهو أنه إذا كان التنسيق النقابي يعتبر أن المدير يقصي ويسير وحده، فلماذا يهدي له المقعد فارغاً؟
من جهة أخرى، اختيار هذا التوقيت بالذات ليس بريئا. فالقطاع يعيش ضغطا شديدا بسبب إعادة الترتيب الداخلي للمصالح، وتحريك ملفات الموظفين، ومراجعة طرق التسيير، وبالتالي كلما ضاق مجال التأثير التقليدي للنقابات داخل المؤسسات، كلما ارتفع صوت الاحتجاج. وهذا ليس حكما عاما، لكنه نمط يتكرر كلما شرع قطاع ما في الانتقال من وضع فوضوي إلى وضع أكثر تنظيما.
بلاغ النقابات اختار أن يحمل المدير مسؤولية الإقصاء وسوء التسيير، لكنه تجنب الاقتراب من السؤال الجوهري وهو كيف يمكن لقطاع حيوي أن يعمل بجسد واحد ورأسين؟ وكيف تنتظر النقابات انسجاما وجودة في الخدمات داخل منظومة لا تتوفر على انسجام إداري من الأساس؟ هذا التجاهل لم يكن سقطـة لغوية، بل خيارا واعيا يهدف إلى إبقاء النقاش في الهامش بدل الذهاب إلى الجوهر.
وفي الوقت الذي يركز فيه البلاغ على “الإعلان المعيب” لتنظيم الانتخابات، وعلى ما يجري داخل وكالة الدم من غموض وتأخر في إصدار النظام الأساسي، تتجاهل النقابات أن توقيت هذه الخرجة يثير أكثر من علامة استفهام. فالقطاع يعيش مرحلة إعادة بناء داخلية، ومحاولات لترتيب الملفات وإرساء قواعد التسيير الجديد. وفي كل مرة يضيق فيها هامش النفوذ التقليدي داخل هذه المؤسسات، يرتفع مستوى الاحتجاج بشكل يثير الشبهة حول دوافعه.
ويدرك الموظفون والمهنيون بطنجة أن الإشكال الحقيقي لا يبدأ ولا ينتهي عند مدير واحد كما يحاول البلاغ تصوير الأمر، على اعتبار أن المعضلة في العمق مرتبطة بصراع صامت بين صلاحيات المديرية الجهوية وصلاحيات المجموعة الصحية، وهو صراع ينعكس على مصالح المهنيين ويخلق الضبابية في القرارات ويعرقل وضع نموذج تدبير موحد وواضح. ولو كان التنسيق النقابي صريحا مع نفسه ومع قواعده، لرفع مطلبا واحدا قبل أي مطلب آخر وهو إنهاء الازدواجية وتوحيد القيادة داخل القطاع.
ما يحدث اليوم بطنجة لا يمكن قراءته بسطحية. فخروج النقابات بهذا الشكل، وفي هذا التوقيت، ومع اختيار المقاطعة بدل المشاركة، يكشف أن المعركة ليست فقط حول نظام أساسي أو انتخابات داخلية، بل حول تموقع داخل هيكلة جديدة لم تستقر بعد. وكلما تقدمت عملية التنظيم وبدأت الصلاحيات تتوزع بشكل مختلف، كلما ازداد الضغط النقابي في محاولة للحفاظ على المساحات القديمة داخل مؤسسات القطاع.
ورغم كل هذا، تبقى الحاجة ملحة إلى نقاش مسؤول لا يكتفي بتبادل الاتهامات لأن المواطنون اليوم لا يعنيهم من يقود القطاع بقدر ما يعنيهم أن يحصلوا على خدمة محترمة، وأن يجدوا نظاما علاجيا واضحا، وأن يتوقف التخبط الإداري الذي ينعكس على جودة خدمات المستشفيات والمراكز الصحية. وما ينتظره المهنيون قبل المواطنين هو إصلاح يبدأ من الرأس، لا من الأطراف، ومن الهيكلة قبل التفاصيل.
اليوم طنجة تحتاج إلى صوت نقابي شجاع يضع إصبعه على الجرح، لا إلى بيانات تحوم حوله دون أن تلامسه. ولعل أول خطوة نحو إنقاذ قطاع الصحة هي الاعتراف بأن ازدواجية القيادة لم تعد ممكنة، وأن الإصلاح الحقيقي لا يستقيم بنصف حقيقة.