اجتهادات فقهية تعيد رسم موازين النقاش.. نحو قراءة جديدة للمعاملات البنكية بعيدا عن مفهوم الربا التقليدي

يتواصل الجدل حول القروض والمعاملات البنكية في المغرب والعالم الإسلامي، لكن أصواتا فقهية وازنة بدأت تدفع بقوة نحو مقاربة جديدة تعتبر أن جزءا كبيرا من المنتجات المالية المتداولة اليوم لا يندرج ضمن “الربا المحرم”، بل يدخل في إطار العقود المستحدثة التي تغير حكمها بتغير الواقع الاقتصادي وتطور النظام البنكي. نقاش فقهي واقتصادي يكتسب زخما متصاعدا بفعل الحاجة اليومية للتمويل وتوسع الأنشطة الإنتاجية، وما يرافق ذلك من بحث عن بدائل شرعية تستجيب لمقاصد الشريعة ومتطلبات العصر.

عدد من الهيئات العلمية، وفي مقدمتها مجمع الفقه الإسلامي الدولي، أكد أن العديد من القروض البنكية ليست معاملات ربوية إذا كانت تقوم على عقود معتبرة شرعا مثل البيع بالتقسيط، والمرابحة، والمشاركة، والإيجار المنتهي بالتمليك، أو الرسوم الإدارية التي تؤدى مقابل خدمات فعلية توفرها المؤسسة البنكية. ويشدد فقهاء هذا الاتجاه على أن فلسفة الربا في الأصل كانت تقوم على الاستغلال والإضرار بالمقترض، بينما المعاملات البنكية الحديثة تقوم على خدمات مالية منظمة تخضع لرقابة قانونية ومحاسبية صارمة ولا تستهدف الإضعاف أو الاحتكار.

ومن بين أبرز العلماء الذين تبنوا هذا الاجتهاد، الشيخ علي جمعة، مفتي مصر السابق، الذي اعتبر أن فوائد البنوك “استثمار مشروع” يقوم على تعاقد واضح يهدف إلى التمويل وليس الإقراض الربوي. كما ميز الشيخ يوسف القرضاوي في عدد من فتاواه بين الربا المحرم والقروض ذات الطبيعة التجارية التي تحدد فيها زيادات ثابتة ضمن إطار تعاقدي شفاف، معتبرا أن بعضها لا يدخل في دائرة الربا الصريح. وتذهب دار الإفتاء المصرية وعدد من هيئات كبار العلماء في بلدان عربية عدة إلى اعتبار الفوائد البنكية جزءا من العقود التمويلية الحديثة التي تستجيب لحاجات المجتمع، ما دامت لا تقوم على الاستغلال أو الظلم.

ويستند أنصار هذا التوجه إلى قاعدة “الحاجة العامة” التي تجعل التعامل البنكي ضرورة اقتصادية لا يمكن تجاوزها في المجتمعات الحديثة. فالبنوك اليوم، كما يقولون، أصبحت جزءا من الدورة الاقتصادية الحيوية، يستحيل تعطيلها أو الاستغناء عنها دون الإضرار بالمواطنين، وتعطيل الاستثمار، وإضعاف المقاولات الصغيرة والمتوسطة. لذلك فإن الاجتهاد الفقهي الجديد يتجه نحو تنظيم التعامل البنكي وفق الضوابط الشرعية، لا تحريمه مطلقا، انسجاما مع مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج وتحقيق التنمية.

ويؤكد خبراء الاقتصاد الإسلامي أن طبيعة العقد ومقصده هما أساس الحكم الشرعي، وليس مجرد وجود عائد مالي، لأن القرآن الكريم حرم “الزيادة المشروطة بقصد الإضرار”، وليس كل معاملة تشمل ربحا أو مقابلا. ويعتبر هؤلاء أن الفصل بين الربح المشروع والربا المحرم يمر عبر دراسة بنية العقد وغاياته وآثاره، في إطار قراءة فقهية تستوعب التطور الاقتصادي وتوازن بين متطلبات العصر وروح الشريعة.

ومع بقاء النقاش مفتوحا بين اتجاهات فقهية متباينة، إلا أن توجها واسعا داخل المؤسسات الشرعية المعاصرة يدفع نحو مراجعة أكثر اتزانا للمعاملات البنكية، تنأى عن التشدد وتقترب من حاجات الناس اليومية، دون الإخلال بالضوابط الشرعية التي تقوم على العدالة والإنصاف ومنع كل أشكال الاستغلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *