المحطة الطرقية بالعزوزية بمراكش.. مشروع ملكي معطل وروائح فساد تفرض إجابات عاجلة

رغم انتهاء الأشغال منذ مدة طويلة، ما تزال أبواب المحطة الطرقية الجديدة بحي العزوزية بمراكش موصدة، في مشهد يثير الكثير من الاستغراب والأسئلة المعلقة حول الأسباب التي تحول دون افتتاح مشروع خصصت له ميزانية تقدر بـ12 مليار سنتيم، ويعد إحدى ركائز برنامج “مراكش الحاضرة المتجددة”، الذي رصد له غلاف مالي ضخم يناهز 600 مليار سنتيم.

هذا التوقف غير المفهوم عاد إلى واجهة النقاش من جديد بعد التدوينة القوية التي نشرها محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، والذي أكد أن المشروع تحوم حوله اختلالات كبيرة وشبهات فساد تستدعي التعجيل بفتح المساءلة. الغلوسي كشف أن الملف يوجد منذ أشهر بين يدي الفرقة الوطنية للشرطة القضائية التي فتحت أبحاثا موسعة، واستمتعت لعدد من الأطراف وحجزت وثائق متعلقة بالمشروع، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات من خلاصات قد تحال على الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بمراكش.

ويشير الغلوسي إلى أن بعض المسؤولين “استغلوا المهام الموكولة إليهم لخدمة مصالحهم الخاصة ومراكمة الثروة”، وفق تعبيره، وهو ما أثار قلق جزء واسع من الرأي العام المحلي الذي تابع هذا الملف منذ بداياته، خصوصا بعدما رفضت هيئات مهنية الانتقال إلى المحطة رغم توقيع محضر التسلم النهائي منذ فترة طويلة، ما عزز الإحساس بوجود خلل بنيوي يتجاوز مجرد مشاكل تقنية أو تنظيمية.

ومن بين النقاط التي أثارها الغلوسي، مراسلة مندوب وزارة النقل المؤرخة في يناير 2017، وهي وثيقة يعتبرها أساسية لفهم جزء من الإشكال، موضحا أن مضمونها “واضح ولا يحتمل التأويل”، غير أن البعض، كما يقول، حاول تقديم قراءة منحرفة لها بهدف تبرير اختلالات معينة، الأمر الذي يزيد من تعقيد الملف ويفتح الباب أمام ضرورة توضيح رسمي يقطع مع ما وصفه بمحاولات “تحريف الحقائق”.

ويذهب الغلوسي أبعد من ذلك حين يعتبر أن ما يجري أخطر من قضية “كازينو السعدي” الشهيرة، مؤكدا أن جمعيته ستتعامل مع هذا الملف كقضية رأي عام، لأنه يتعلق بالمال العام وبالبرنامج الملكي الذي من المفترض أن يسهم في تحسين حياة المواطنين وتطوير البنية التحتية للمدينة. ويضيف أن بعض المنتخبين والمسؤولين استغلوا مواقع القرار العمومي بطريقة يشتبه أنها وفرت فرصا للاغتناء غير المشروع وغسل الأموال، داعيا إلى مساءلة شاملة تكشف خلفيات بروز بعض الأسماء في واجهة هذا الملف.

ومع كل هذه المعطيات، يتزايد الضغط الشعبي والمؤسساتي للكشف عن حقيقة ما جرى خلال إنجاز هذا المشروع الحيوي. فالمحطة الطرقية المفترض أن تكون محطة نموذجية للطاقة والنقل الحضري، تحولت إلى بناية صامتة تحمل على جدرانها أسئلة حارقة حول الحكامة، والمراقبة، وربما المسؤوليات المفترضة. كما أن استمرار إغلاقها يطرح تداعيات اقتصادية واجتماعية واضحة على مهنة النقل بمدينة مراكش.

اليوم ينتظر الرأي العام المحلي توضيحا رسميا من السلطات المعنية، وعلى رأسها الولاية والمجالس المنتخبة، بشأن مآل هذا المشروع، وحقيقة الاختلالات التي يتحدث عنها الفاعلون الحقوقيون، وما إذا كان التأخر مرتبطا فقط بإجراءات تقنية، أم أن التحقيق القضائي هو من يفرض هذا الجمود الذي طالت مدته.

ويبقى دور القضاء، كما يشدد الغلوسي، محوريا في تفكيك أي شبكة فساد محتملة، وفي تحديد المسؤوليات بدقة، حتى لا يتحول مشروع ملكي يهدف إلى تأهيل المدينة إلى عنوان آخر للهدر وسوء التدبير. كما يظل الأمل معقودا على أن تصدر أحكام رادعة عند ثبوت أي أفعال مجرّمة، بما يبعث رسالة واضحة بأن المال العام خط أحمر، وأن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى.

وفي انتظار ذلك، يظل السؤال قائما هو لماذا لا تزال المحطة الطرقية بالعزوزية مغلقة إلى اليوم؟ وهل ستكشف التحقيقات الحقيقة الكاملة بشأن هذا الملف الذي يشغل الرأي العام أكثر من أي وقت مضى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *