مكناس.. البلوكاج الجماعي ومكامن الداء

كما توقع العديد من المتتبعين والمهتمين بالشأن السياسي المحلي بمكناس، شكّل رفض الأغلبية التصويت على مشروع ميزانية الجماعة لحظة مفصلية في تصويب بوصلة سفينة المدينة في غير الاتجاه الصحيح. كما اعتبر هذا الإمتناع زلزالا مدويا يضع الممارسة السياسية المحلية في قفص الاتهام ويحدد نقاط ضعفها وتجاوزات أغلبية المجلس السياسية التي كانت السبب في حدوث “البلوكاج” وأسهمت في تعميق الهوة بين المواطن وبين والإدارة وعمّقت الإحساس بضعف الثقة في الفاعل السياسي المحلي اللهث وراء جني المكاسب.

التصويت ضد مشروع ميزانية الجماعة لم يكن هو الأول من نوعه في تعرية الواقع السياسي وتدني منسوب القيم وتوجيه النخب السياسية المكناسية إلى شوائب الممارسة السياسية والحرص على الحكامة الجيدة والشفافية، بل سبقته العديد من الممارسات اللامسؤولة تنم عن صبيانة أصحابها وانسياقهم وراء الوهم في هدف منهم الى تعطيل عجلة التنمية المحلية وشل كل المساعي الرامية الى إقلاعها، كي يكتشف المكناسيون أن من يمثلهم بالمجلس الجماعي الحالي جاؤوا لغير المهمة التي أنتخبوا لأجلها، وسمحوا لأنفسهم أن يكونوا مثل الدوما تحركها أيادي من خارج المجلس. وتجعل منهم بأن أفرادا مؤقتين وساكنين بلا فعالية لأنهم يعاملون بلا تقدير لقيمتهم كمستشارين. فأين هؤلاء من توجيهات جلالة الملك التي نبَّه من خلالها “عدم اعتبار الانتخابات مجرد لعبة سياسية مفرغة المحتوى ودعوة الأحزاب إلى الابتعاد عن الحسابات السياسوية الضيقة والتسلح بالمواطنة الحقة وخدمة الوطن والصالح العام”؟

يجد المواطن المكناسي اليوم في الكثير من الأحيان نفسه ضحية قرارات لامسؤولة لبعض المستشارين الجماعيين المحسوبين على الأغلبية، ممن يطمحون الى سرقة منصب الرئاسة، ينقصها التبرير، وتفتقد الى المنطق والحجة. لقد تحولت جماعة مكناس على مدى سنة كاملة ويزيد إلى كابوس حقيقي للمواطن الذي يعاني من المهانة والاحتقار والتمييز كلما خاض في شؤون مجلسها، لكون بعض الفاعلين السياسيين يعتبرون تدبير الشأن الجماعي مصدرا للتكسب والمرابحة وليس خدمة المواطن والمدينة ويديرون المصالح الإدارية بعقلية انتهازية حتى ولو تطلب الأمر تعطيلها غير مدركين لعواقب سلوكاتهم. والسياسي اللبيب هو الذي يحسن الإنصات الى صرخة صمت المكناسي الخانق.

إن المَتْن الدستوري والتشريعات، مهما تقدمت وارتقت إلى مصاف القوانين المتقدمة في العالم، تحتاج إلى عقلية ناضجة، وسلوك حضاري، ورسالة قيمية راقية، من قبل الفاعل الإداري والسياسي لتطبيقها، والعمل على احترامها، وإلا فإنها تتحول إلى مجرد كلمات ميتة بدون روح ولا جدوى من وجودها. فالعبث الذي يتخبط فيه مجلس جماعة مكناس مردُّه إلى إشكالات حقيقية تتعلق بالانحرافات القيمية والأخلاقية تماما كالتي وصفها العاهل المغربي “بخيانة الأمانة وسوء التدبير الإداري وانعدام الضمير وغياب الحكامة الجيدة وطنيا ومحليا وضعف الإنتاجية”.

مستشارو المجلس الجماعي في هذه الأوقات الحرجة مدعوون خلال الدورة الإستثنائيه المخصصة للمصادقة على مشروع الميزانية يوم الخميس المقبل الى الترفع عن الصراعات الشخصية، واستحضار مصالح المدينة، ونقض كل الوعود الرامية الى انتكاستها خصوصا تلك التي أُبرمت بخلفيات انتقامية شادة من بعض السياسيين في مواجهة رئيس الجماعة. لقد تبين اليوم  بما لا يدع مجالا للشك أن من كان يدعي الدفاع عن مصالح مدينة مكناس هو أول من يمضي في تعطيل قطار تنميتها، وماض بلا هوادة نحو حشد الأصوات بهدف الإنقلاب على الشرعية ودفع جواد باحجي نحو الإستقالة غير مدرك أنه بهذا السلوك يعلن عن إفلاسه السياسي ويأتي على ما تبقى من قليل المصداقية التي راكمها خلال الولاية السابقة عندما كان في المعارضة. فالرجل لم يستوعب لحد الساعة رغم عديد الإشارات أنه يسعى وراء مجرد السراب، وأن لا حقيقة فوق بقاء باحجي رئيسا رغم كل الإشعاعات الرامية الى التشويش على المواطن وزرع عدم الثقة لديه.

يوم الخميس المقبل هو يوم حاسم في تاريخ مكناس، والذي ستُختبر فيه نوايا الاغلبية بالمجلس الجماعي، فإما أن يكون يوم ميلاد مدينة أو يوم التوقيع على شهادة وفاتها يأيدي أبنائها. وعلى الجميع أن يتحمل حينها مسؤولية قراراته أمام الله أولا وأمام التاريخ وأمام المكناسيين. ويبقى الفريق الاستقلالي وميض الضوء الوحيد في هذه العتمة التي استطاع تدبير هذه الأزمة برزانة حكمة عاليين بدليل أن النائب الثاني للرئيس هو الذي يشرف على ضمان سيرورة المرفق الإداري في غياب الرئيس بسبب المرض، وامتناع النائب الأول عن الاتحاد الدستوري عن أداء هذه المهمة وفق ما تنص على ذلك مقتضيات القانون التنظيمي للجماعات الترابية. ليس هذا فقط، بل رفض حتى مباشرة إجراءات انعقاد الدورة الإستثنائية من خلال الامتناع عن توقيع دعوات المستشارين، فلا ندري إن كان القرار نابع من قناعاته أم مشورة من يحركه؟ فهل يؤمن مصير مدينة إن سلمت مفاتيحها لمثل هؤلاء؟  المرحلة التي تعيشها المدينة يمكن اعتبارها أكثر صعوبة، وأن الأزمة الراهنة هي أزمة تفرض على الفرقاء السياسيين ايجاد الحلول الآنية للخروج من النفق المسدود وعلى من يحارب طواحن الهواء أن يكف لأنه لن يبلغ ما يصبو إليه لسبب واحد هو أن المكناسيين لن يثقوا في سياسي يقود مدينتهم نحو الهاوية، وقد صدق الشاعر حين قال:
إذا طمعٌ يحُلُ بقلب عبدٍ  ***  علتْهُ مَهانةٌ وعلاه هونُ.