بنسعيد يهاجم المنتقدين.. ويصمت عن جوهر الفوضى داخل اللجنة المؤقتة التي عينها

خرج وزير الشباب والثقافة والتواصل بتصريح حاول من خلاله وضع النقاش الدائر حول تسريبات لجنة الأخلاقيات ومشروع قانون المجلس الوطني للصحافة داخل إطار عام عنوانه “تجنب السوداوية” و“الحفاظ على صورة الوطن”. غير أن هذا الخطاب، رغم نبرته الواثقة، بدا أبعد ما يكون عن الإجابة الحقيقية التي ينتظرها الرأي العام، خصوصا حين يتحول النقاش من مضمون أزمة أخلاقية وقانونية داخل مؤسسة عمومية إلى معركة لغوية ضد “العدميين”.
فالوزير، وهو يتحدث عن “تطوير مؤسسات البلاد”، اختار توجيه النقد لمن يعتبرهم يرون “كل شيء سوادا”، بدل مواجهة السؤال المركزي، هل فعلا عمل المجلس الوطني للصحافة، في تركيبته القائمة، يخضع للشرعية القانونية؟ وهل اللجنة المؤقتة ما زالت تحصل على تعويضات رغم انتهاء ولايتها؟ هل احترمت الحكومة آجال التمديد؟ وهل تعاملت بجدية مع التسريبات التي تضمنت كلاما غير لائق تجاه هيئة مهنية دستورية مثل هيئة المحامين؟
التصريحات المقدمة لم تجب عن هذه الأسئلة، بل ذهبت في اتجاه آخر كليا، يعتمد على نقطتين أساسيتين لا يمكن أن تمرا دون تحليل.
أولا، حين يدعو الوزير إلى “تجنب السوداوية” و“عدم الهبوط بالمؤسسات”، فإنه يستعمل لغة سياسية كلاسيكية تحاول استبدال النقاش الموضوعي بالإنشاء الخطابي. فالقول بأن كشف الاختلالات يسيء لصورة الوطن هو فكرة متجاوزة، لأن ما يسيء للمؤسسات ليس النقد، بل استمرار الخلل داخلها دون معالجة. فالديمقراطية لا تقوم على إخفاء الأعطاب، بل على كشفها وتقديم حلول واضحة لها. ومن غير المنطقي أن يتحول التنبيه إلى تجاوزات خطيرة داخل لجنة أخلاقية إلى فعل “عدمي”، بينما المطلوب هو احترام القانون والشفافية في التدبير.
ثانيا، عندما أكد الوزير أن المجلس الوطني للصحافة “مؤسسة ناجحة وناجعة”، بدا هذا الوصف منفصلا عن الواقع الذي يراه المهنيون والمتابعون يوميا. فالمجلس انتهت ولايته منذ مدة، وانتخاباته لم تُنظم رغم مرور أكثر من عام على انتهاء المدة القانونية، ولجنته الأخلاقية ظهرت في مقطع صادم خلف استياءً داخل الأوساط الصحافية والقانونية. كما أن اللجنة المؤقتة، التي كان يفترض أن تكون جسرا نحو انتخابات جديدة، تحولت إلى جهاز مفتوح الأجل، بلا توقيت واضح، وبلا حدود لمسؤولياتها، وباتت قراراتها موضع طعن أخلاقي وقانوني.
فكيف يمكن وصف مؤسسة بهذا الوضع بأنها “ناجحة وناجعة”؟ وكيف يمكن للوزير أن يطلب من الرأي العام أن يصدق رواية وردية بينما الحقائق الميدانية تقول العكس؟
المطلوب اليوم ليس ترديد عبارات عامة من قبيل “النقاش حي وإيجابي” و“لا يمكن إرضاء الجميع”، بل تقديم معطيات دقيقة حول أسئلة واضحة، أهمها هو هل توقفت التعويضات بعد انتهاء ولاية اللجنة المؤقتة؟ وهل الحكومة مستعدة لاحترام المدد القانونية؟ وهل سيُفتح تحقيق في مضمون التسريبات وليس فقط في طريقة نشرها؟
الوزير قال إن “الحكومة ليست طرفا ضد طرف”، وهذا كلام مهم لو تم ترجمته على الأرض بسياسات دقيقة وشفافة. ولكن تجاهل جوهر الأزمة يجعل هذا التصريح مجرد جملة سياسية لا تغير شيئا من الواقع. فالدفاع عن المؤسسات يبدأ من احترام القانون، وليس من انتقاد من يفضحون الاختلالات.
اليوم، يحتاج قطاع الصحافة إلى إصلاح عميق، لا إلى تبريرات لغوية، يحتاج إلى مؤسسات شرعية، لا إلى لجان منتهية الصلاحية، ويحتاج إلى مواقف شجاعة، لا إلى اتهامات بـ“السوداوية” لكل من يسائل الأداء الحكومي. فالبلاد لا تكبر بالصمت، بل بالمساءلة، ولا تتقدم بتجميل الصور، بل بإصلاح الأعطاب التي تسيء للمشهد المهني ولصورة الدولة معا.