فؤاد السعدي يكتب: التحكيم المغربي ينفجر من الداخل.. والكربوبي تعري “منظومة الامتيازات” داخل الجامعة


لم تكن استقالة بشرى الكربوبي حدثا عاديا في محيط التحكيم المغربي، بل جاءت كصفعة مدوية كشفت ما كان يعتمل طويلا داخل هذا الجهاز الحساس الذي تقوم عليه مصداقية اللعبة، على اعتبار أن الرسالة التي نشرت بشكل واسع على مواقع التواصل لم تخرج عبر المساطر الإدارية كما تقتضيه الأعراف داخل الجامعة، بل اختارت طريق الجمهور أولا، الأمر الذي طرح سؤالا عميقا حول حجم الخلل الذي دفع حكمة دولية بخبرة ربع قرن إلى تخطي كل القنوات المؤسساتية واللجوء إلى الرأي العام.
وسواء كانت الرسالة صادرة عنها فعلا، أم أنها خرجت بتدخل جهة أخرى، فإن نشرها خارج المسار الإداري يكشف شعورا واضحا بانسداد الأفق داخل الجهاز، أو يقينا بأن الإنصاف لن يأتي عبر القنوات الرسمية. وهذا بدوره يعري اختلالا في آليات التواصل الداخلي، ويبرز أزمة ثقة بين الحكام وبين المديرية الوطنية للتحكيم التي يفترض أن تكون بيتهم الأول وحصنهم المهني.
وقد زاد من حدة هذا الانطباع أن الاستقالة جاءت محملة باتهامات ثقيلة، تتحدث عن ممارسات أربكت المسار وشوشت على الإنجاز وأفرغت المشروع التحكيمي من مضمونه. ورغم أن البعض سارع إلى تفسير الأزمة بوجود سوء تفاهم عابر، إلا أن معطيات تداولها متابعون أكدت أن المسألة تتجاوز سوء تقدير ظرفي، وأن ما جرى يوم الأحد الماضي كان عملية استهداف تأديبي جماعية شارك فيها مدير التحكيم إلى جانب ثمانية عشر من المحسوبين على دائرته، في سابقة لم يشهدها تاريخ الجامعة.
وتعزز هذا الانطباع أكثر حين انتقل النقاش نحو ملف الترشيحات الخاصة بالكاف، حيث بات واضحا أن المقاعد الإفريقية ليست مجرد مواقع رمزية، بل تحمل امتيازات مالية مهمة، وتعويضات محترمة، إضافة إلى تأثيرها على المسار المهني للحكم. وهنا برز جوهر الأزمة، لأن اختيار الأسماء التي تمثل المغرب في الاستحقاقات القارية لا يبدو أنه اعتمد بالكامل على معيار الكفاءة، بل دخلت عليه حسابات أخرى لا علاقة لها بالأداء داخل الملاعب. وبما أن مجرد إدراج اسم في اللائحة يمنح صاحبه تعويضا سخيا، فإن التنافس حول هذه المواقع تحول إلى صراع نفوذ لا تحكمه شفافية كافية، ما عزز الشكوك حول دوافع الاستهداف الذي تعرضت له الحكمة الدولية.
ويتعمق السؤال أكثر حين نعلم أن الجامعة قدمت خمسة أسماء للكاف، اثنان منهم حكام وسط وثلاثة توزيع بين الشرط وتقنية الفار، الأمر الذي يجعل باب التأويل واسعا حول معايير الانتقاء، ويبرر الحاجة إلى كشف هذه الأسماء للرأي العام حتى تتضح الصورة كاملة، وبالتالي فجوهر الأزمة لا يكمن في خلاف شخصي بين حكام، بل في آلية توزيع امتيازات ضخمة داخل مؤسسة يفترض أن تكون معيارها الوحيد هو الكفاءة.
ومع تطور الأحداث تكشف اللائحة الرسمية للاتحاد الإفريقي للحكام المعيّنين في كأس أمم إفريقيا 2025 عن عنصر جديد يزيد المشهد تعقيدا ويضع علامات استفهام عريضة حول المعايير التي تتحكم فعليا في انتقاء ممثلي المغرب في المحافل القارية. فقد تضمنت اللائحة خمسة أسماء مغربية من بينهم حكمان للساحة هما جلال جيد ومصطفى الكشاف، إضافة إلى حكمين مساعدين وحكم غرفة الفار. ورغم أن هذا التمثيل يبدو ظاهريا مؤشرا إيجابيا، إلا أن المعطى الذي لا يمكن القفز عليه هو أن جلال جيد من أقارب رضوان جيد مدير مديرية التحكيم، الشخص الذي يملك اليوم، وظيفيا وفعليا، النفوذ الأكبر داخل المنظومة. الأمر لا يتعلق هنا باتهام مباشر، وإنما بواقع موضوعي يفرض طرح الأسئلة حول تضارب المصالح وإمكانية تأثير العلاقات العائلية على الهياكل التي يفترض أنها تقود التحكيم بمعايير الصرامة والنزاهة. ويصبح هذا التأويل أكثر قوة حين تتزامن اللائحة مع إقصاء واضح للحكمة بشرى الكربوبي ثم دفعها نحو الاستقالة في سيناريو معقد شارك فيه، حسب المعطيات المتداولة، ثمانية عشر شخصا.
وفي خضم هذا السجال، لا يمكن إعفاء الجامعة من المسؤولية، لأن الحديث عن استقلالية اللجان التقنية لا يعفي الرئيس من واجب ضمان شفافيتها ونزاهتها. فمن الصعب إقناع المتابعين بأن رئيس الجامعة لا يعلم ما يجري داخل جهاز حساس مثل التحكيم، خصوصا والرأي العام يعرف أن أدق تفاصيل الجامعة لا تمر دون أن تصل إليه. ومن هنا يصبح الصمت الرسمي غير مفهوم، لأن هذه الأزمة ليست مجرد استقالة بل اختبار للثقة داخل مؤسسة باتت اليوم مطالبة بإعادة ترتيب البيت من الداخل حفاظا على سمعة التحكيم الوطني.
وإذا كان لقجع يظهر بقوة حين يتعلق الأمر بمنجزات ومناسبات رسمية، فإن لحظة من هذا الحجم تستدعي حضوره بشكل أوضح، لأن الرسالة التي خرجت إلى العلن لم تهز فقط صورة المديرية بل وضعت الجامعة كلها تحت مجهر الرأي العام. واليوم كل الأنظار تتجه نحو كيفية التعامل مع هذه القضية، وبالتالي فأي تلكؤ في كشف الحقائق قد يفسر على أنه تواطؤ أو محاولة لاحتواء الفضيحة بدل معالجتها.
إن ما يجري اليوم يتجاوز استقالة اسم وازن في التحكيم النسوي، فهو يعري أزمة حكامة داخل جهاز حساس، ويكشف صراع مصالح لا يمكن الاختباء خلفه طويلا، ويطرح بإلحاح ضرورة إصلاح شامل يعيد الأمور إلى نصابها. أما أن تترك الأمور في منطقة الرماد فهذا لن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة، وإلى هجرة كفاءات تشعر أن كفاءتها ليست معيارا كافيا لتأمين مسارها.
وإذا كان إعلان الكاف عن لائحة الحكام قد كشف جزءا مما كان يتحرك في الكواليس، فإن مشهد خروج بشرى الكربوبي بالطريقة التي تمت يبدد الشكوك وينقل الجدل من مستوى التخمين إلى مستوى الوقائع. فقد اتضح أن المركز الحقيقي للقرار داخل التحكيم المغربي لا يوجد داخل الهياكل الرسمية، بل في شبكة صغيرة تمسك بخيوط الامتيازات والاختيارات والتعيينات. ومع انكشاف هذا الغطاء، يصبح من المشروع التساؤل حول مدى قدرة الجامعة على فرض قواعد الحوكمة والشفافية، وحول جدوى الحديث عن إصلاح أو تطوير في ظل استمرار نفس الآليات التي أنتجت الاحتقان والدفع نحو الإقصاء. فالقضية لم تعد محصورة في استقالة حكم دولي مخضرم، بل في بنية كاملة باتت مفتوحة على التأثيرات الشخصية والعائلية والمصلحية على حساب الكفاءة والنزاهة.
فالقضية اليوم قضية شفافية قبل أن تكون قضية رياضة، وقضية حكامة قبل أن تكون خلافا بين أشخاص، وقضية ثقة قبل أن تكون صراعا حول مقاعد الكاف، وبالتالي ما لم تفتح الأبواب على الحقيقة، سيبقى الملف مفتوحا على كل التأويلات، وسيبقى التحكيم المغربي أسيرا لدوائر غامضة لا يعرف أحد كيف تتحرك ولا لمن تدين بالولاء.