من يحكم التحكيم؟ شبكة النفوذ التي تهدد عرش الكرة المغربية

لم يعد النقاش مقتصرا على أخطاء حكام، ولا على احتجاجات أندية غاضبة، بل أصبح الحديث اليوم عن بنية كاملة تهتز تحت وقع فضائح متتالية تكشف هشاشة منظومة التحكيم المغربي، فالشرارة التي انطلقت من مباراة اتحاد تواركة ونهضة الزمامرة سرعان ما تحولت إلى نار كبيرة تلتهم ما تبقى من الثقة، قبل أن يأتي ملف الحكمة الدولية بشرى كربوبي ليكشف حجم التشقق داخل المؤسسة نفسها، ويضع جامعة الكرة أمام سؤال مركزي وهو هل تمتلك الإرادة لتفكيك شبكة المصالح التي تتحكم في التحكيم؟
فمباراة تواركة ضد الزمامرة كانت بداية الانفجار بعد القرارات التحكيمية المثيرة التي أطلقها الحكم شرحبيل، وانتهت باستقالة رئيس الفرع والمدرب معا، هي خطوة غير مسبوقة عكست ليس فقط الاحتجاج على صافرة واحدة، بل الانهيار التام للثقة في منظومة يفترض أن تحمي العدالة الرياضية. أما الأسئلة التي خرجت إلى العلن لم تعد تتعلق بمباراة لحظة، بل بمن يقود التحكيم فعلا، ومن يحدد مسارات الحكام، ومن يمنح الامتيازات ومن يحجبها.
وبينما كانت مديرية التحكيم تحاول امتصاص الغضب، انفجرت احتجاجات جديدة من رجاء بني ملال، قبل أن يدخل أولمبيك آسفي على الخط بشكاية هي الأكثر وضوحا وحدة، تحدث فيها عن “مسار غير مفهوم” للفار، ولقطات حاسمة لم تعرض تلفزيونيا، بدا المشهد وكأنه يتجاوز الأخطاء إلى شبهات بنية كاملة لا تشتغل بشفافية، ولا تخضع للمحاسبة.
لكن ملف بشرى كربوبي أضاف طبقة جديدة من التعقيد، وهي أن الحكمة التي رفعت اسم المغرب دوليا، والتي مثلت الوجه الأهم للتحكيم النسوي في المنطقة، تحولت فجأة إلى هدف لضغوط ممنهجة، وإلى ضحية لتصفية حسابات داخلية. فما كان يعتبر سابقا مجرد “تنافس مهني” أصبح اليوم يقدم كحرب مواقع داخل مديرية يقودها رضوان جيد، الرجل الذي أصبح اسمه مرادفا لهيمنة غير مسبوقة على القرار، ومثار جدل واسع حول طريقة إدارته للغرفة التقنية وأدوار الحكام.
فأن تقصى كربوبي عند كل خطوة تتقدم فيها، وأن تحاصر كلما ارتفعت قيمة اسمها دوليا، ليس مجرد خلاف داخلي، بل مؤشر على عقلية تعتبر الكفاءات تهديدا، وتتعامل مع النجاح المهني باعتباره خروجا عن الطاعة، وهو ما يؤكد أن الأزمة ليست تقنية، بل قيمة ومعايير ورؤية. وحين يصبح الولاء أهم من الأداء، وتصبح العلاقة أهم من الشهادة، ويتحول “النافذون” إلى صناع مستقبل حكام يفترض أن يكونوا مستقلين، فإن التحكيم يغادر منطق العدالة ويدخل منطق الغلبة.
فالأندية الغاضبة، والحكام الذين يتراجعون أو يقصون، والقرارات الغامضة، والتسريبات المتداولة، والصمت الرسمي المريب وغيرها، كلها عناصر تشير إلى أن التحكيم المغربي يعيش أسوأ مراحله منذ عقود. والمقلق أن المؤسسة الوصية لا تزال تراقب من بعيد، وكأن ما يحدث شأن داخلي لا يهدد سمعة البطولة، ولا يشكك في نزاهة المنافسة، ولا يضرب صورة الاستثمار الرياضي الذي يضخ ملايين سنويا.
اليوم، لم يعد السؤالهو من أخطأ؟ ولا من استفاد؟ بل، هل تستطيع الجامعة فعلا أن تواجه شبكة النفوذ التي ترسخت داخل مديرية التحكيم؟ وهل تملك الشجاعة لإعادة توزيع السلطة وضخ شفافية حقيقية في مؤسسة أصبحت أقرب إلى “علبة سوداء” تتحكم في مصير فرق وحكام ومستقبل بطولات؟
إن الأزمة الراهنة ليست سحابة عابرة، بل لحظة مفصلية تكشف المسافة بين خطاب الإصلاح وواقع التسيير. والتحكيم، كجهاز يفترض أن يحمي الشرعية الرياضية، أصبح اليوم يحتاج إلى حماية هو نفسه من نفوذ أشخاص ومنطق حسابات ضيقة تهدد صورة الكرة الوطنية.
الجامعة أمام امتحان تاريخي هو إما إعادة بناء الثقة بمنهج جديد قائم على المحاسبة والاستقلالية، أو ترك الأمور تنحدر نحو مزيد من الغموض حيث يصبح الحديث عن النزاهة مجرد شعار، وتصبح العدالة الرياضية مجرد رواية تروى ولا تطبق.
بين هذا وذاك، يبقى السؤال الأكبر مفتوحا هو هل يملك فوزي لقجع الجرأة لكسر الحلقة التي صنعت هذا الواقع؟ أم أن المنظومة ستستمر كما هي، إلى أن تأتي صدمة أكبر تهز الكرة المغربية من جذورها؟