فؤاد السعدي يكتب: المحاماة.. شرف كرمه الرسول والملوك، وأهانه من يفترض أنهم حراس الأخلاق في الصحافة


لم تكن الواقعة التي فجرها التسجيل المسرب لجلسة لجنة الأخلاقيات التابعة للجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر مجرد انزلاق لفظي عابر، بل كانت سقطة مدوية كشفت مستوى غير مسبوق من الانحدار الأخلاقي داخل جهاز يفترض فيه السهر على نبل المهنة ورصانتها. فما جرى لم يكن خطأ في التقدير ولا لحظة انفعال، بل كان انهيارا كاملا لمنظومة قيم كان ينبغي أن تكون صلبة، فإذا بها تتهاوى أمام ميول شخصية ونزعات انتقامية ولغة لا تليق بأي مؤسسة، فكيف إذا كانت مؤسسة ينسب إليها صون الأخلاق.
فأن يوصف المحامون خلال مداولات رسمية بعبارات من قبيل “محامون الباسلين..” و”محامون هربو كاملين..” و”محامي مصدي..” و”محامي ما مصرفقو شي جن فشي دوار..” و”كون شطبتي بيه الأرض..”، فهذا لا يشكل فقط إساءة إلى أشخاص، بل إساءة إلى تاريخ بكامله وإلى مهنة رسخ لها رسول الله مكانة رفيعة حين قال “من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزول الأقدام”. هي مهنة شرفها الحسن الثاني حين قال “لو لم أكن في المنصب الذي أنا فيه لكنت فردا من أسرتكم النبيلة الشريفة المحترمة”، واعتز بها محمد السادس حين وصفها بالمؤسسة المحورية في حماية دولة الحق والقانون، فماذا بعد هذه الرفعة؟ وكيف ننتقل من هذا السمو إلى حضيض كلام لا يليق حتى بالحوارات العابرة، فكيف بجلسة يفترض أنها تؤدي وظيفة تأديبية تستند إلى القانون وتعلو بميزان العدالة.
الأخطر في هذه الفضيحة ليس فقط مضمون الكلمات التي نطقت، رغم فظاعتها، بل سياقها، حيث جاءت خلال مداولات حول ملف الصحافي حميد المهداوي، في لحظة يفترض فيها أقصى درجات التحفظ والحياد والاتزان والحكمة، فإذا ببدل المحاماة التي ترمز للدفاع والعدل تقابل باحتقار غير مفهوم، بل وغير مسبوق، وكأننا أمام محاولة لتقويض مكانة الدفاع نفسها وإضعاف دورها في حماية حقوق المتقاضين. وهو ما يمس جوهر العدالة، لأن احترام الدفاع ليس مجاملة بل جزء من بنيان دولة القانون، ومن يستهين به إنما يسيء إلى مؤسسة القضاء ذاتها.
لقد كشفت تلك الجلسة البئيسة أن اللجنة المؤقتة، وضمنها لجنة الأخلاقيات، لم تنزلق فقط في خطاب منحط، بل في عقلية تبيح التنقيص من الفاعلين داخل منظومة العدالة بما يخدم ميولا انتقائية، وهنا نطرح السؤال، كيف يمكن لجهاز بهذا المستوى من التحيز أن يزعم القدرة على إصدار قرارات تأديبية نزيهة؟ وكيف يمكن للرأي العام أن يثق في مؤسسة تستهين بالدفاع وهو ركن أصيل في أي محاكمة عادلة؟
إن ما جرى ليس مجرد تجاوز لفظي، بل اعتداء رمزي على مهنة عريقة ذات رمزية سامية قاومت الاستعمار ودفعت ثمن الحرية، ووقفت إلى جانب الصحافيين حين اشتدت عليهم المحن، فسؤلوا ردهات المحاكم حين يصدح صوت المحامون دفاعا عن قضايا الصحافيين، بل إن أصحاب البذلة السوداء ساهموا في ترسيخ دولة المؤسسات وكرامة المواطن. وبالتالي فكل إساءة للمحامي هي ليست إساءة لفرد، بل إساءة لتاريخ وذاكرة ومسار طويل من النضال القانوني والحقوقي.
لذلك، فإن المطالبة بالتحقيق لم تعد مطلبا فئويا بل ضرورة وطنية، على اعتبار أن القضية تتجاوز حدود المهداوي والملف المعروض، وتتجاوز حدود الزملاء الذين طالتهم الشتائم، لأنها تمس صورة الدولة وسمعة مؤسساتها وهيبة العدالة في بلد اختار مسار الإصلاح وحماية الحقوق. وبالتالي لا يعقل أن تترك مثل هذه الانتهاكات تمر بلا مساءلة، لأنها تضرب جوهر الثقة العامة وتنسف أسس التنظيم الذاتي الذي بني على فكرة الاحترام والاحتكام إلى القواعد المهنية لا إلى الأهواء.
إن صمت المؤسسات أمام ما حدث لن يفسر إلا باعتباره قبولا ضمنيا بهذا المستوى من الانحدار، بينما المطلوب هو وقفة مسؤولة تعيد الاعتبار للمهنة وللقيم التي تنظم الحياة العامة. فالمغرب الذي يفاخر بإصلاح منظومة العدالة لا يمكن أن يسمح بإهانة محام داخل مداولات رسمية، ولا يمكن أن يقبل أن تتحول مؤسسة يفترض فيها حماية الأخلاق إلى مصدر للإهانة.
لقد آن الأوان لطي هذه الصفحة المظلمة، لا بالتناسي أو التجاوز، بل بالمحاسبة واستعادة الهيبة، لأن المحاماة ليست مجرد وظيفة، بل هي سياج الحقوق وحارسة الحريات، ومن يعتدي عليها إنما يعتدي على صميم فكرة العدل.
وما جرى في تلك الجلسة “المجزرة” لا يجب أن يمر مرور الكرام، لأن كرامة المحامي التي مست ليست ملكا لأفراد، بل ملك لوطن بأكمله.