الفيدرالية المغربية لناشري الصحف تشهر الورقة الحمراء.. اللجنة المؤقتة غير شرعية وما قامت به إساءة للدولة وللمهنة

أحدث الفيديو المسرب لاجتماع لجنة الأخلاقيات والقضايا التأديبية داخل المجلس الوطني للصحافة المؤقت زلزالا حقيقيا داخل الوسط الإعلامي، بعدما كشف عن ممارسات وصفت بأنها تمس جوهر التنظيم الذاتي وتضرب في العمق مبادئ العدالة المهنية واستقلالية القرار التأديبي. وبينما تواصل مقاطع التسجيل انتشارها الواسع وما رافقه من صدمة عارمة، خرجت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف ببيان شديد اللهجة اعتبرت فيه ما جرى “مجزرة أخلاقية وحقوقية” و”تجسيدا لأسوأ أشكال التحكم والانحراف عن القانون”.
وأكدت الفيدرالية أن ما ورد في الفيديو لا يمكن النظر إليه كحادث معزول، بل كسلسلة مترابطة من التراكمات التي بدأت، بحسب تعبيرها، منذ لحظة تدبير الانشقاق داخل هيئة الناشرين واستهداف الفيدرالية بما وصفته بـ“حكم الإعدام المهني” الذي جرى الإعداد له في الظل، عبر إقصائها من الحوار والتشاور القانوني، والضغط على أعضائها، ورفض تنظيم انتخابات المجلس رغم انتهاء ولايته، وإحداث لجنة مؤقتة مُنحت سنتين من الولاية التسييرية شابتها منذ البداية اختلالات بنيوية. وذهبت الفيدرالية أبعد من ذلك حين اعتبرت أن تركيبة اللجنة المؤقتة نفسها صُممت على مقاس جمعية واحدة، سواء عبر إقصاء أعضاء منتخبين ينتمون للفيدرالية، أو من خلال تعيينات حكومية وقطاعية منحت الطرف ذاته الأغلبية المطلقة داخل مفاصل اتخاذ القرار، بما في ذلك لجان الدعم العمومي وجوائز الصحافة وتدبير اعتمادات الصحافة الرياضية.
وترى الفيدرالية أن فضيحة الفيديو لم تكشف فقط انحدارا في لغة الخطاب وسلوكات تفوح منها عقلية الانتقام وتجاوز الضوابط، بل فضحت أيضا خواء معرفيا وقانونيا لدى أعضاء لجنة يفترض أنها معنية بصون الأخلاقيات قبل محاسبة الآخرين عليها. وأبرز البيان أن ما ظهر من تجاوزات يمس كرامة الزميل حميد المهداوي وحقه في الدفاع، ويمس قبل ذلك قواعد العدالة التأديبية، خاصة بعد الحديث عن تلقي قرارات عبر الهاتف من خارج مداولات اللجنة، والإيحاء بالتدخل في القضاء، وهو ما اعتبرته الفيدرالية ضربة موجعة لاستقلالية السلطة القضائية واحترام مؤسسات الدولة.
وطالبت الفيدرالية بفتح تحقيق قضائي مستعجل وشامل في كل الظروف والملابسات المتعلقة بملف المهداوي وبملفات كل الصحافيين الذين أصدرت اللجنة المؤقتة قرارات تأديبية بحقهم، معتبرة أن الكشف عن المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية ضرورة لحماية الثقة في المؤسسات، وداعية الرأي العام المهني والوطني إلى متابعة نتائجه. وربط البيان بين محتوى الفيديو وبين مشروع القانون المعروض حاليا على مجلس المستشارين بشأن إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مؤكدا أن خلفيته التشريعية منسجمة مع “عقلية الهيمنة ذاتها التي كشفتها التسجيلات”، ومطالبا الحكومة بتعليق المسطرة التشريعية وفتح حوار مهني حقيقي يضمن استقلالية التنظيم الذاتي ويعيد الاعتبار لمؤسسة المجلس وفق مقاربة تشاركية ومسؤولة.
كما شددت الفيدرالية على أن ولاية اللجنة المؤقتة انتهت قانونيا منذ مطلع أكتوبر الماضي، ما يجعل استمرارها في اتخاذ القرارات ممارسة “غير شرعية” وتعديا على القانون، خاصة أن البلاغ الصادر عنها بعد انتشار الفيديو، في نظر الفيدرالية، لم يخرج عن منطق التمويه ومحاولة تحويل النقاش نحو كيفية التسريب بدل مناقشة جوهر ما كشف عنه. واعتبرت الفيدرالية أن مسؤولية حماية سرية المداولات والملفات الشخصية للصحافيين تقع على عاتق اللجنة نفسها وليس على من سربها، وأن أي محاسبة يفترض أن تبدأ من داخل الجهة التي أخفقت في ضمان أبسط شروط الحماية.
ودعت الفيدرالية إلى إيقاف ما وصفته بـ“مخطط السطو على القطاع” الذي تجسده المشاريع والتدابير التي يجري تمريرها اليوم بعيدا عن روح الإصلاح، مؤكدة أن اللجنة المؤقتة في حكم المنتهية الصلاحية، وأن كل قراراتها باطلة ولاغية. كما شددت على ضرورة سد الفراغ المؤسساتي بشكل فوري، ثم فتح حوار وطني يعيد توجيه القطاع نحو أدواره الأصلية باعتباره شريانا للديمقراطية وفضاء للنقاش العمومي المسؤول، وليس منصة للتصفية أو وسيلة للهيمنة.
واعتبرت الفيدرالية أن ما جرى رغم قسوته مؤلم في حق صورة الإعلام والصحافيين، إلا أنه يمثل فرصة تاريخية لإنقاذ المهنة وإعادة بنائها على أساس الاستقلالية والمهنية والاحترام. وختم البيان برسالة واضحة مفادها أن الصحافة المغربية لن تقبل بأن تتحول إلى أداة للابتزاز أو رافعة لخدمة المصالح الضيقة، وأن الزمن اليوم يقتضي القطع مع منطق التخويف والتخوين والإعلاء الممنهج للتفاهة التي لا تليق بمغرب يراهن على الحداثة والشفافية والكرامة المؤسساتية.