فؤاد السعدي يكتب: مجلس الصحافة.. يوم انهار التنظيم الذاتي وسقطت هيبة المؤسسات

لم يعد ما كشفه حميد المهداوي مجرد مادة مثيرة للجدل أو حلقة صاخبة في نقاش مهني محتدم، بل صار حدثا فاصلا يهز جوهر الصحافة المغربية ويضع المؤسسات أمام امتحان غير مسبوق. فما خرج إلى العلن ليلة أمس في حلقة من أفضع حلقات المهداوي لم يكن تفاصيل عابرة ولا زلة في اجتماع داخلي، بل مشاهد صادمة تفتح الباب لأسئلة جوهرية حول معنى التنظيم الذاتي وموقع العدالة واستقلالية القرار المهني. كثيرون هم من كانوا يظنون أن أزمة الصحافة تتعلق بقلة الإمكانيات وضغط السوق أو الاستقطاب السياسي، لكن ما ظهر جعل كل هذه الأعذار هامشية أمام حقيقة واحدة مقلقة، وهي أن المرض أعمق بكثير مما كان متخيلا وأن الجرح ظل ينزف بصمت إلى أن فجره تسجيل واحد.

المفارقة أن الصدمة لم تأت من خصوم المهنة ولا من جهات معادية لحرية التعبير، بل خرجت من رحم المجلس الذي أنشئ لحماية الأخلاقيات وصونها وتعزيز الثقة داخل الوسط الصحافي. لتتحول فجأة لجنة يفترض فيها التحكيم والتبصر إلى ما يشبه “المجزرة” حيث تضيق فيها هوامش المناقشة وتختفي فيها روح الزمالة، وتطفو على السطح عبارات جارحة ونوايا ثقيلة وتمييز فادح بين صحافي وصحافي. هنا لم يعد السؤال تقنيا حول إجراءات تأديبية ولا حول احترام المساطر، بل صار السؤال أخلاقيا حول الطريقة التي ينظر بها بعض القائمين على الشأن المهني إلى زميل لهم، والأخطر حول الطريقة التي قد تتقاطع فيها الحسابات الشخصية مع آليات مؤسساتية يفترض أن تشتغل بميزان دقيق ونزيه.

فما ظهر في التسجيل المرتبط باجتماع لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية التابعة للجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر أعاد إلى الواجهة سؤال استقلالية المجلس الوطني للصحافة ومدى قدرته على أداء رسالته الأصلية، وبالتالي فإذا كانت المؤسسة التي يفترض أن تصون الصحافة من الانزلاقات قد سقطت بدورها في منزلقات أخلاقية وقانونية، فكيف يمكن للمهنيين أن يثقوا في قراراتها، وكيف يمكن للرأي العام أن يميز بين التأديب وبين التصفية الرمزية، وفوق كل هذا، من يستطيع أن يضمن ألا تتحول آليات التنظيم الذاتي إلى أدوات تأديب انتقائي أو تصفية حسابات باسم القانون.

إن خطورة ما ظهر في “فيديو العار” لا تكمن في الألفاظ المتداولة فقط، رغم فداحتها، بل في سياقها وفي ما تحمله من إشارات واضحة تكشف الرغبة في الدفع بالصحافي المهداوي إلى أعمق نقطة في الهاوية، من خلال إخراجه من حماية قانون الصحافة والنشر لإدخاله إلى فضاء القانون الجنائي بما يحمله من عقوبات سالبة للحرية، وهنا تحديدا يظهر الخلل الهيكلي، لأن أي انزياح عن الحدود القانونية بين التأديب المهني والمسار القضائي يشكل تجاوزا خطيرا، ليس على المستوى الأخلاقي فحسب، بل حتى على المستوى الدستوري الذي يضمن استقلال السلطة القضائية عن أي ضغط أو توجيه.

وبالتالي فتجاهل هذه النقطة سيكون خطأ فادحا، لأن سؤال الشرعية لم يعد مرتبطا بالمهداوي وحده، بل بمصير مهنة بأكملها. لذلك فإن أي محاولة لصرف النقاش نحو كيفية التصوير أو نوايا المسرب أو قانونية التسجيل، هي رغبة يائسة للجنة انتهت صلاحيتها من أجل التفاف على لب القضية وسعي لجر الأزمة إلى الهوامش. فجوهر ما حدث يكمن في مضمون المشاهد ذاتها وفي ما تكشفه من اختلالات عميقة في آليات اتخاذ القرار المهني. ثم إن المرجعيات الدولية التي تشكل أساس كل نظام ديمقراطي واضحة في هذا الباب، تمنح الأولوية للمصلحة العامة ولما يقدمه المحتوى من معطيات تمس الحق في المعرفة، في حين تؤجل النظر في طريقة الحصول على المادة إلى مرحلة لاحقة، لأن ما يهم أولا هو ما تكشفه الوقائع من تأثير محتمل على حقوق الأفراد ونزاهة المؤسسات.

والمهداوي، رغم اختلاف البعض معه سواء في أسلوبه أو في اختياراته، تصرف في هذه النازلة بقدر كبير من الرزانة والمسؤولية، عندما نشر المقاطع المرتبطة مباشرة بالقضية دون تعريض غير المعنيين أو نشر ما يمس الحياة الخاصة، إذ كان يمكنه أن يستغل المادة بطرق أكثر إثارة أو انتقاما، لكنه اختار الاقتصار على ما يخدم المصلحة العامة ويكشف الحد الأدنى الضروري من الحقيقة. وهذا سلوك مهني يستحق التنويه لأنه يضع المبدأ فوق الانفعال.

غير أن جوهر القضية اليوم لا يتعلق بالمديح ولا بالإدانة، بل بضرورة معالجة جذور المشكلة عبر المطالبة بتحقيق جدي في الوقائع، وتدقيق في الممارسات، وفصل بين الأخطاء الفردية والبنية التنظيمية التي سمحت بما حدث. المطلوب أيضا أن ينتزع الجسم المهني حقه في مساءلة مؤسساته، لأن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يكون سوى مشاركة في المشكلة، وبالتالي إذا لم يكن للإطارات المهنية القدرة على التحرك، فإن مسؤولية الصحافيين تبقى قائمة في التعبير عن رفضهم لأي ممارسة تهين قيم المهنة أو تحول بطاقة الصحافة إلى أداة ضغط بدل أن تكون ضمانة للعمل المهني.

فالثقة لا تستعاد بالبيانات، بل باستقلال مؤسسات العدالة وتحركها وفق القانون، وبمراجعة عميقة لآليات التنظيم الذاتي حتى لا تتحول إلى سلاح ضد الصحفيين. وما كشفه المهداوي ليس نهاية المسار، بل بدايته، لأن الامتحان الحقيقي يبدأ الآن، فإما أن تفتح تحقيقات شفافة ومسؤولة، وإما أن يطوى الملف بقرارات شكلية، وفي هذه الحالة لن يخسر المهداوي وحده، بل ستخسر المهنة والدولة والمجتمع ثقة ضرورية لأي مستقبل ديمقراطي.

اللحظة اليوم لحظة حسم وضوح، ولا مجال فيها للمراوغات، على اعتبار أن المصلحة العامة أكبر من الأشخاص، وحماية الحقيقة أولى من معاقبة حاملها، والمغرب الذي يريد أن يكبر لا يمكن أن يسمح بوأد الحقائق في مهدها، ولا بأن يربح الصخب بينما يخسر المعنى.

غير أن هذه الفضيحة لم تعد قابلة للتقديم باعتبارها سقطة فردية أو مجرد تجاوز مهني داخل لجنة محدودة النفوذ، لأنها تمس مباشرة البنية التي صنعت هذه اللجنة وشرعتها ودفعتها إلى واجهة تسيير قطاع كامل. فاللجنة المؤقتة لم تسقط من السماء، ولم تفرض من قوة مجهولة، بل جاءت بقرار حكومي مباشر، وبإشراف وزير الشباب والثقافة والتواصل، الذي بات الآن في قلب العاصفة، وفي مواجهة السؤال جوهري، كيف يمكن لهيئة شكلها الوزير نفسه، تحت وصايته القانونية، أن تنحدر إلى هذا المنسوب من الوضاعة، وأن تتصرف بهذا القدر من التحامل والانفلات، وكيف يمكن لوزارة ترفع شعار “تنظيم القطاع” أن تفرز جسما يفتقر إلى أبجديات الانضباط، ويتحدث أفراده بلغة تسقط المهنة وتسيء إلى الدولة قبل أن تسيء إلى المهداوي.

وما زاد الوضع قتامة أن التسجيلات كشفت عن ممارسات تتجاوز بكثير حدود الخطأ الأخلاقي. فالتلميحات الواضحة إلى التآمر ضد صحافي ومؤسسة إعلامية، ومحاولة حرمانهما من الدعم العمومي على قاعدة الخصومة الشخصية، وتوظيف المساطر المهنية كسلاح انتقامي، ليست مجرد سلوكات معزولة، بل مؤشرات خطيرة على تسييس المرفق العام واستعماله في تصفية حسابات. الأخطر من ذلك ما ورد من حديث خافت وصريح في آن واحد عن إمكانية التأثير على مسار القضاء، واستحضار رئاسة النيابة العامة وكأنها أداة قابلة للاستعمال عند الطلب. فمثل هذه العبارات لا تهين المهداوي وحده، بل تهين القضاء وتهدد ثقة الناس في مؤسسات الدولة، وتصدم الرأي العام الذي شاهد بأم عينيه كيف تدار قضايا المهنة خارج كل الضوابط.

ولأن ما ظهر ليس مجرد زلة عابرة بل فضيحة تهز جدار المهنة من أساسه، فإن المسؤولية السياسية لم تعد قابلة للمراوغة أو التنصل. كل من دفع نحو تشكيل اللجنة المؤقتة أو مررها أو دافع عنها دون ضمانات صار اليوم في قلب المشكلة، ولا يملك رفاهية الاختباء وراء الصمت أو ادعاء الجهل. والحكومة، وفي مقدمتها الوزير بنسعيد، مطالبة في هذه اللحظة الحرجة بموقف صريح وواضح يقطع مع الالتباس، فإما أن تعتبر ما حملته التسجيلات انحرافا فرديا، وإما أن تقر بأنه نتيجة طبيعية ومباشرة لخياراتها في تدبير القطاع واقتراح بنية مريضة على رأس مهنة بأكملها. كما أن عليها أن توضح ما هي الخطوات العاجلة التي ستتخذها لوقف هذا التلاعب الفج بحقوق الصحافيين، وإعادة الاعتبار لمهنة أُهينت داخل المؤسسة التي يفترض أنها تحميها. أما الصمت أو الاكتفاء ببيانات تقنية باردة فلن يكون سوى امتداد للفضيحة واستمرارا لها، بل وتواطؤا ضمنيا مع كل ما كشفته من أعطاب وانحرافات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *