فريد بواحي يدخل على الخط.. من يتهرب من الحقيقة في صفقات الأدوية؟

لا يبدو الجدل المحتدم حول صفقات الأدوية مجرد موجة عابرة من السجال السياسي، بل صار واجهة أخرى لصراع صامت حول معنى الشفافية وحدود الرقابة وسلطة المؤسسات. وبين الاتهامات الثقيلة التي أطلقها البرلماني عبد الله بوانو، وصمت الحكومة الذي تلاه، ثم الانفجار الإعلامي الذي أعاد توجيه النقاش نحو الشخص بدل الموضوع، خرج فريد بواحي، عضو المكتب السياسي للاتحاد الدستوري، ليقدم قراءة مختلفة، أقل صخبا وأكثر دعوة إلى ضبط الإيقاع داخل الحدود المؤسساتية.

وذكر بواحي إن النقاش حول تضارب المصالح ليس ترفا سياسيا، بل هو واجب ديمقراطي ما دام يتعلق بصفقات عمومية تمس صحة المواطنين وتتحرك داخل مجال بالغ الحساسية، ومع ذلك شدد على أن هذا النقاش، مهما بلغت حدته، يجب أن يستند إلى وثائق ومساطر لا إلى الانطباعات أو الصراعات الحزبية، وبدا بواحي وكأنه يضع قدمه في منتصف الطريق، فلا هو يمنح الحكومة صك براءة، ولا يصطف خلف بوانو، بل يذكر الجميع بأن الخطورة ليست في الاتهام ذاته، بل في الطريقة التي يُدار بها.

ومع أن بواحي لمح إلى أن للرأي العام الحق في التساؤل حول مصير “فضائح” سابقة أعلنها بوانو ولم تنته إلى نتائج واضحة، إلا أنه في الوقت نفسه رفض سحب الشرعية عن مساءلة البرلمان للحكومة، على اعتبار أن البرلماني، في نظره، يحتفظ بحقه الكامل في إثارة الأسئلة، لكن هذا الحق لا يكتمل إلا حين تتحول الاتهامات إلى ملفات رسمية تسلك قنواتها الدستورية. بمعنى آخر، لم يتبن بواحي موقف الحكومة ولا موقف المعارضة، بل حاول أن يعيد ترتيب النقاش داخل الحدود التي يفترض أن تحافظ على مصداقية الدولة.

في المقابل، توقف بواحي عند مرافعة وزير الصحة، الذي اعتبر نفسه هدفا لهجمات منظمة، مشيرا إلى أن قطاع الصفقات العمومية يظل فضاء قابلا للتأويل بما يسمح لكل طرف بإسقاط روايته الخاصة على الوقائع، وهنا مارس بواحي ما يشبه “التنبيه الهادئ”، عندما أكد أن وجود لوبيات أمر واقع، وأن محاكمة النوايا ليست مسارا مؤسساتيا، لكنه في الوقت نفسه ذكر الوزير بأن النقد ليس جريمة، وأن كشف الحقائق ليس تهديدا للإصلاح.

خطاب بواحي يدفع النقاش نحو منطقة أخرى بمعنى لا يتعلق الأمر بمن ربح الجولة الإعلامية، بل بمن يملك القدرة على تحويل مزاعم تضارب المصالح إلى وقائع مثبتة أو إلى نفي واضح. وبالتالي تكاد تكون الأسئلة التي طرحها بواحي تلخيصا دقيقا لما ينتظره الرأي العام، بمعنى، هل يوجد تضارب مصالح فعلا؟ هل احترمت الوزارة مساطر التعاقد؟ هل قدمت الحكومة الوثائق الكاملة للمواطنين؟ وهل الخلاف سياسي أم تقني أم يتجاوز الاثنين معا؟

هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها في الجوهر تكشف هشاشة المنهج الذي اعتمدته الحكومة لمواجهة الجدل. كان يمكن، منذ الساعات الأولى، نشر كل الوثائق المرتبطة بالصفقة المثار حولها الجدل، وإتاحة مسار التعاقد للرأي العام، وفتح الباب أمام لجنة برلمانية لتقصي الحقائق بدل إغلاقه عبر مسار قضائي يوقف الرقابة البرلمانية ولا يقدم للرأي العام أي معطيات ملموسة. ولو كان الهدف فعلا هو تبديد الشكوك، لكانت الحكومة قد بادرت إلى النشر لا إلى الصمت، وإلى الشفافية لا إلى حملة التشكيك في صاحب الاتهام.

ما يطرحه بواحي، وإن بصيغة معتدلة، هو أن مؤسسات الدولة لا يمكن أن تتعامل مع الاتهامات الثقيلة بمنطق الردود المزاجية أو الحملات الإعلامية، لأن ذلك يضعف الثقة العمومية بدل أن يعززها. وحين يختلط السياسي بالتقني، وتتحول قضايا الصفقات إلى ملاسنات، يصبح المواطن هو الطرف الأكثر خسارة لأنه لا يحصل على الإجابة التي ينتظرها.

اللافت أن خطاب بواحي جاء في لحظة تبدو فيها الحكومة معزولة داخل صمتها، والمعارضة غارقة في الهجوم دون القدرة على اختراق الجدار المؤسسي الذي أغلق بسبب تدخل النيابة العامة. لذلك جاء موقفه ليعيد ترتيب النقاش حول سؤال واحد وهو كيف نضمن أن المساءلة لا تتحول إلى فوضى سياسية، وكيف نضمن في الوقت نفسه ألا تتحول المؤسسات إلى أدوات لطمس الحقائق؟

في نهاية المطاف يمكن القول إن بواحي، دون ضجيج، وضع الجميع أمام مسؤوليتهم، البرلماني مدعو لتقديم ملفات مكتملة، والحكومة مطالبة بالكشف عن وثائقها، والإعلام مطالب بتحقيقات لا بتدوينات، والمؤسسات مطالبة بإعادة الاعتبار للمساطر التي تضمن ربط المسؤولية بالمحاسبة. أما السؤال الذي يبقى معلقا فهو نفسه الذي تجنبت الحكومة الإجابة عنه حتى الآن وهو، هل المشكلة في تصريحات بوانو، أم في المعطيات التي لم تكلف الدولة نفسها عناء توضيحها؟

وما لم تحسم هذه الأسئلة بشفافية كاملة، سيظل النقاش دائرا، وقد يتحول إلى قضية رأي عام أكبر بكثير من حدود التصريحات والسجال السياسي، لأن قطاع الأدوية ليس مجالا للتجريب، بل مجالا تمس قراراته حياة المواطنين بشكل مباشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *