فؤاد السعدي يكتب.. من يخشى فتح الصندوق الأسود؟ فضيحة الأدوية تسقط ورقة التوت عن الشفافية


ما جرى في ملف صفقات الأدوية لا يمكن تبخيسه باعتباره مشادة عابرة بين نائب معارض ووزير في الحكومة، بل هو اختبار قاس لمنظومة الرقابة في المغرب وللعلاقة بين السلطة والمال والإعلام، فحين يخرج نائب برلماني بمعطيات دقيقة تفيد بوجود شبهة تضارب مصالح داخل الحكومة ويقابل ذلك بصمت رسمي مطبق ثم يتحول النقاش إلى حملة منظمة لتشويه مصدر المعلومة لا تفنيدها، فهذا يعني أننا أمام خيار سياسي واضح يتمثل في حماية البنية القائمة مهما كلف الأمر، لا حماية الحقيقة ولا حماية المال العام.
البداية كانت داخل البرلمان حين كشف بوانو معطيات معززة بوثائق والأرقام حول صفقة مرتبطة بشركة يمتلكها وزير بالحكومة وعن تسويق دواء للسرطان بأضعاف سعره الحقيقي، بالمقابل لم تقدم الحكومة أي وثيقة مضادة، ولم تشرح للرأي العام كيف يتم منح الصفقة، ولا كيف يتم تحديد سعر الدواء، ولا لماذا تتكرر نفس الاختلالات في قطاع يفترض أن يخضع لأقصى درجات الحكامة والشفافية والوضوح، وبالتالي حين لا تقدم الدولة روايتها الرسمية، فهي تترك المجال للروايات الأخرى كي تترسخ وتتحول إلى قناعة عامة.
الأكثر إثارة للقلق كان أن النقاش لم يتجه نحو كشف الوثائق بقدر ما أعرج نحو دفن الملف، خصوصا بعدما ظهرت حملة إعلامية محبوكة تتهم صاحب الاتهام بالشعبوية وتعيد تدوير قصص قديمة لإضعاف مصداقيته. والمفارقة هو أن هذه المنابر والأبواق المفضوحة لم تقدم ولو دليلا واحد ينفي وجود تضارب مصالح ولا تفسيرا علميا للفارق الصادم بين سعر اقتناء الدواء وسعر بيعه للمرضى، وبدا أن هدفها ليس إقناع المغاربة بالحقائق بل إقناعهم بعدم طرح الأسئلة، أو كما يقال بالعامية دخل سوق راسك”.
وعندما كان البرلمان يستعد لاستعمال أحد أقوى آلياته الرقابية وهو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، جاء فتح تحقيق قضائي سريع ليوقف المسار كليا. صحيح أن لا أحد يعترض على دور القضاء، لكن السؤال الذي يطرحه كل مراقب هو لماذا كلما اقترب البرلمان من ملف حساس يفتح تحقيق بطريقة توقف مساءلة سياسية؟ ومن يضمن أن هذا التداخل لا يتحول إلى أداة لتعطيل الرقابة بدل حماية العدالة؟ وهل يمكن لدولة تبحث عن الشفافية أن تعطل آلية رقابية بواسطة آلية زجرية قبل أن تبدأ أي منهما عملها؟
فالأسئلة التي هربت الحكومة من مواجهتها لا تزال معلقة، خصوصا تلك المتعلقة بشروط منح الصفقة لشركة الوزير المعني؟ وما هي آليات تسعير دواء السرطان؟ وكيف يمكن لدواء يقتنى بأقل من ألف درهم أن يصل إلى أربعة آلاف درهم دون أن تتحرك أية جهة؟ وأي دور تلعبه الهيئات المفترض فيها حماية المنافسة؟ أسئلة حرجة ومشروعة يقابلها صمت الحكومي غريب يتجه نحو توسيع فجوة الثقة ويؤكد أن الأمر لا يتعلق بواقعة معزولة بل بخلل هيكلي يجعل تضارب المصالح ممكنا ومنتفيا في الوقت نفسه.
أما الحملة الإعلامية التي استهدفت بوانو فتكشف بدورها جانبا آخر من المشكل، على اعتبار أن النقاش يكن نقاشا صحفيا بل عملية سياسية تستخدم فيها المنابر كأدوات لطمس سؤال الشفافية. بمعنى، منابر لا تحقق ولا تفند ولا تفتح الملفات، بل تكتفي بتصفية الحسابات نيابة عن أصحاب المصالح، وبالتالي عندما يختلط الإعلام بالسلطة والمال إلى هذه الدرجة يصبح الحديث عن الرأي العام حديثا بلا معنى، لأن ما يعرض عليه ليس معلومة بل منتوجا لغرض سياسي.
اليوم، القضية أعمق من صفقة دواء لأنها تضع الدولة أمام سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرتها على حماية المال العام حين يكون المتورط المفترض جزءا من السلطة، بمعنى، كيف يمكن الحديث عن منافسة نزيهة وقطاع الأدوية ما زال تحكمه علاقات غير معلنة؟ وكيف يمكن الحديث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة والدولة لم تجرم بعد تضارب المصالح ولا الإثراء غير المشروع؟ ولماذا ظلت القوانين المؤطرة لهذه الظواهر معلقة رغم أن الدستور دعا إليها صراحة؟
إن أخطر ما يلوح في الأفق ليس احتمال وجود فساد بل احتمال غياب الإرادة السياسية لكشف الحقيقة. فكل خطوة اتخذتها الحكومة في هذا الملف اتجهت نحو إطفاء النقاش بدل إضاءة الحقائق، وكل خطوة اتخذتها بعض المنابر اتجهت نحو مهاجمة المشتكي بدل مساءلة المشتكى به، وكل خطوة اتخذتها الأجهزة المكلفة بالرقابة اتجهت نحو تعطيل المسار بدل تسريعه. كل هذا لا يحتمل إلا قراءة واحدة وهي أن المؤسسات لا تعمل وفق منطق المحاسبة بل وفق منطق الحماية.
المطلوب اليوم ليس سجالا سياسيا ولا انتصار طرف على آخر، بل شفافية كاملة تجعل كل صفقة عامة قابلة للفحص والمساءلة. المطلوب نشر كل الوثائق المرتبطة بالعقود، وإرساء منصة رقمية مفتوحة للعموم، وإسناد التحقيق لهيئة مستقلة لا تخضع لضغط سياسي، وتفعيل الرقابة البرلمانية دون تعطيل بآليات انتقائية.
في النهاية لا يتعلق الأمر بوزير ولا برلماني بل بمدى قدرة الدولة على مواجهة فساد محتمل بوضوح وشجاعة، أما الجواب الحقيقي فسيظهر فقط عندما نرى الوثائق، لأن من يمتلك الحقائق يمتلك الكلمة الأخيرة، ومن يخفيها يختار أن يبقي الظلال كثيفة. وأما المغاربة فلا يطلبون أكثر من دواء بثمن عادل وحكومة بلا تضارب مصالح ومؤسسات تحترم الدستور. ويبقى السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه هو هل نحن فعلا نسير نحو هذا المسار أم أننا نلتف حوله بخطابات وبلاغات وحملات لا تخدم سوى استمرار الوضع القائم؟