باريس تدين اتفاق 1968 مع الجزائر بفارق صوت واحد.. واليمين المتطرف يضع الذاكرة الاستعمارية على طاولة السياسة

في خطوة تحمل طابعا رمزيا، صادق النواب الفرنسيون بفارق صوت واحد فقط على مشروع قانون قدمه حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف يهدف إلى “إدانة” الاتفاق الفرنسي الجزائري لعام 1968، وهو الاتفاق الذي يمنح الجزائريين وضعا خاصا وينظم شروط تنقلهم وإقامتهم وعملهم في فرنسا. ورغم أن هذا التصويت يفتقد إلى القوة التشريعية، فقد سارعت زعيمة حزب التجمع الوطني مارين لوبن إلى مطالبة الحكومة الفرنسية بـ“أخذ هذا التصويت في الاعتبار”، معتبرة أنه يعبر عن “إرادة الفرنسيين في إنهاء الامتيازات الممنوحة للجزائريين بموجب اتفاق تجاوزه الزمن”.
وجاء تبني هذا المقترح بفارق صوت واحد فقط بفضل دعم نواب من حزبي “الجمهوريين” و“أوريزون”، ما سمح بترجيح كفة اليمين المتطرف داخل الجمعية الوطنية الفرنسية. في المقابل، لم يتمكن نواب اليسار والوسط من حشد الأصوات الكافية لعرقلة المشروع، وهو ما يعكس هشاشة التوازنات السياسية في البرلمان الفرنسي وصعوبة مواجهة موجة الخطاب الشعبوي المتصاعد.
ويأتي هذا التصويت ليكرس واحدة من أبرز معارك التجمع الوطني بقيادة لوبن، الذي جعل من ملف الهجرة والعلاقات مع الجزائر محورا رئيسيا في أجندته السياسية، معتبرا أن اتفاقية 1968 “تمنح امتيازات مبالغا فيها” للجزائريين مقارنة ببقية الأجانب في فرنسا. وتعد هذه الاتفاقية التي وقعت بعد ست سنوات فقط من استقلال الجزائر عن فرنسا، ثمرة ظرف اقتصادي واجتماعي كانت باريس تحتاج فيه إلى اليد العاملة لدعم اقتصادها، حيث سمحت للجزائريين بالحصول على تصاريح إقامة طويلة الأمد وفق إجراءات مبسطة.
غير أن الاتفاقية التي صُممت في سياق ما بعد الاستعمار أصبحت اليوم موضوعا حساسا في الخطاب السياسي الفرنسي، إذ يرى فيها اليمين المتطرف رمزا لسياسات الهجرة المتساهلة، في حين يعتبرها آخرون جزءا من التزامات فرنسا التاريخية والأخلاقية تجاه مستعمرتها السابقة.
ويأتي هذا الجدل داخل البرلمان الفرنسي في ظل أجواء دبلوماسية مشحونة بين باريس والجزائر. فالعلاقات بين البلدين تشهد توترا متواصلا منذ صيف عام 2024، عقب اعتراف فرنسا بخطة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، وهو القرار الذي اعتبرته الجزائر انحيازا واضحا للرباط. وتفاقم الخلاف أكثر مع اعتقال الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال في الجزائر العاصمة في نوفمبر 2024، على خلفية اتهامه بتأييد الموقف المغربي، ثم توقيف عدد من المؤثرين الجزائريين المقيمين في فرنسا مطلع 2025 بتهم “التحريض على العنف” ضد معارضين للنظام الجزائري.
كما تتهم باريس الجزائر برفضها المتكرر استعادة مواطنيها الذين صدرت بحقهم أوامر ترحيل من الأراضي الفرنسية، وهو ما تعتبره الحكومة الفرنسية عائقا أمام تنفيذ سياستها في مجال ضبط الهجرة. في المقابل، ترى الجزائر أن فرنسا تستعمل هذه الملفات للضغط السياسي وأنها لم تتحرر بعد من منطق الوصاية الاستعمارية.
ورغم أن تصويت الجمعية الوطنية لا يحمل أي أثر قانوني مباشر، إلا أنه يحمل دلالات سياسية قوية. فهو يعكس تنامي نفوذ اليمين المتطرف في المشهد الفرنسي، وقدرته على فرض أجندته على النقاش العام حتى دون الوصول إلى السلطة التنفيذية. كما أنه يعبر عن مناخ سياسي تتزايد فيه الانقسامات حول قضايا الهوية والذاكرة والهجرة، في وقت تستعد فيه فرنسا لاستحقاقات انتخابية حساسة.
وهكذا، فإن ما جرى في البرلمان الفرنسي يتجاوز مجرد “إدانة” اتفاقية موقعة قبل أكثر من نصف قرن، ليصبح رسالة سياسية إلى الداخل والخارج، عنوانها أن اليمين المتطرف لم يعد على هامش اللعبة السياسية، بل في قلبها، وأن العلاقات بين باريس والجزائر تعيش مرحلة دقيقة تتقاطع فيها حسابات التاريخ مع رهانات الحاضر ومستقبل المتوسط.