فؤاد السعدي يكتب: بن بركة.. حين يصبح الغياب حضورا دائما في ضمير الوطن
ستون سنة من الغياب الجسدي والحضور الفكري في ذاكرة وطن يبحث عن عدالة مؤجلة


لا يمكن لكتاب “قضية بن بركة: نهاية الأسرار” الصادر حديثا بالعاصمة الفرنسية باريس أن تتم قرائته كمجرد عمل توثيقي يعيد نبش ماض مضطرب، بل كحدث يذكرنا بأن التاريخ لا يطوى بالزمن، وأن الجراح الوطنية حين لا تتم معالجتها بالاعتراف، تظل تنزف في الوعي الجماعي جيلا بعد جيل. وبالتالي، الحديث عن المهدي بن بركة اليوم ليس رجوعا إلى ماض بعيد كما قد يعتقد البعض، بل استدعاء لذاكرة لا تزال تطرح علينا الأسئلة المحرجة نفسها التي لم نجب عنها بعد وهي ما معنى الحقيقة؟ ومن يملك الشجاعة لقولها؟
لقد كان اغتيال بن بركة، في جوهره، اغتيالا للحلم الذي كان يحمله بوطن تسوده العدالة وتتعالى فيه قيم النقاش والنزاهة على منطق الولاء والمصالح، ولذلك لم يكن موته حدثا سياسيا عابرا، بل لحظة فاصلة كشفت هشاشة العلاقة بين السلطة والفكر، وبين الدولة والمواطنة، ولعل هذا ما جعل اسم بن بركة إلى الآن يضل حيا في الوجدان الوطني، ليس لأنه ضحية فقط، بل لأنه تحول إلى رمز لكل ما لم يتحقق بعد، أو بالاحرى إلى فكرة مؤجلة ما زالت تبحث عن واقع يحتضنها ويمنحها شرعية الاستمرار.
وإذا كان من اغتالوه، سواء من دبر أو من نفذ، قد اندثروا بصمت وذابت أسماؤهم في النسيان، فإن ذكراه ظلت حاضرة في ضمير الوطن، يتم استدعائها كلما اشتدت الحاجة إلى معنى الموقف والكرامة. وكأن العدالة الرمزية للتاريخ أرادت أن تبقي على اسمه كصوت دائم يذكرنا بأن القمع لا ينهي الفكرة، وأن من يواجه الحقيقة بالعنف يخسر معركته مع الزمن والتاريخ، والزمن، مهما طال، لا يصطف إلا مع من آمنوا بكرامة الإنسان وحقه في التفكير والاختلاف.
غير أن صدور هذا الكتاب بباريس، رغم أهميته، يطرح سؤالا أبعد من حدود التحقيقات والأرشيفات، وهو لماذا لا نمتلك نحن شجاعة كتابة تاريخنا بأنفسنا؟ فـ”قضية بن بركة” لم تكن فقط قضية بين دولتين، بل مرآة لضمير وطني ما زال يختبر قدرته على المصالحة مع ذاته، وبالتالي، وهي فرصة لإعادة التفكير في علاقة المغرب بتاريخه، وفي كيفية تحويل الذاكرة من عبء إلى وعي، ومن جرحٍ إلى درس.
ولعل هذا الدرس يصبح أكثر إلحاحا اليوم ونحن نعيش زمنا تتراجع فيه الثقة في السياسة، ويتحول فيه النقاش العمومي إلى صراع على الولاءات بدل تنافس في الأفكار، بمعنى حين تتكرر الممارسات التي تهمش الكفاءات وتكافئ الولاء، ندرك أن روح بن بركة ما زالت تحوم بيننا، تذكرنا بأن بناء وطن عادل لا يتم بالخطابات ولا بالمظاهر، بل بإرادة حقيقية لمواجهة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعلاء قيمة المواطنة على كل انتماء ضيق.
إن بن بركة لم يكن يبحث عن المجد الشخصي، بل عن مغرب يكون فيه الإنسان غاية السياسة لا وسيلتها، ولذلك فإن تخليد اسمه لا يكون بالاحتفال بالذكرى ولا بإعادة نشر صوره، بل بالوفاء لمشروعه في الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، فالرجل الذي رحل في صمت قسري ترك لنا وصيته الكبرى ألا وهي أن الفكر الحر لا يغتال، وأن النضال الحقيقي لا يورث إلا بالفكرة والموقف.
بعد ستين عاما، لم تغلق قضية بن بركة لأن حقيقتها لم تكتمل بعد، ولأنها تتجاوز حدود الجريمة إلى عمق الوعي والضمير. لنستحلص أن الأمم لا تشفى من جراحها بالصمت، بل بالاعتراف. وأن الذاكرة التي يتم اهمالها تتحول إلى صرخة في المستقبل. وهكذا، يظل اغتيال بن بركة مرآة نرى فيها ما لم نتغير فيه بعد، ودعوة لأن نختار بين تكرار التاريخ أو تجاوزه.
ربما مات الذين خططوا ونفذوا، لكن الرجل الذي حاولوا إسكات صوته ما زال يتحدث باسم المستقبل. لم ينتصر القتلة، لأن أسماءهم صارت رمادا، بينما بقي هو رمزا يضيء كلما خيم الظلام. ويبقى الدرس البليغ الذي يجب أن نتعلمه من أستاذ الرياضيات بن بركة هو أن الخلود ليس أن تبقى، بل أن تترك فكرة لا تموت، وبن بركة، في النهاية، لم يكن رجل زمنه فقط، بل ضمير وطنٍ لم يزل يبحث عن نفسه.