من العجز إلى الانتعاش.. كيف قلب مجلس الومغاري موازين مالية مكناس؟

بقلم | فؤاد السعدي

في الوقت الذي تعيش فيه العديد من الجماعات الترابية بالمغرب وضعا ماليا متقلبا، تبدو جماعة مكناس وكأنها تسير عكس هذا التيار، بعدما نجحت خلال السنة الأولى من ولاية الرئيس عباس الومغاري في تحقيق انتعاشة مالية غير مسبوقة شملت أغلب المرافق الجماعية، وفق ما أكده زكرياء بقدير، النائب الثالث لرئيس المجلس والمفوض بتدبير قطاع الموارد المالية وشؤون الميزانية.

بقدير أوضح أن المداخيل المحققة برسم الميزانية الرئيسية لجماعة مكناس إلى غاية نهاية غشت 2025 عرفت ارتفاعا بنسبة تفوق 20 في المائة مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2024، بما في ذلك المداخيل الذاتية التي ارتفعت بنسبة تزيد عن 11 في المائة، مضيفا أن التفاصيل الدقيقة لهذه الأرقام سيتم عرضها لاحقا في بيان تنفيذ الميزانية، حتى يقف الرأي العام المحلي على حقيقة التطور المالي الذي تعرفه الجماعة.

وأكد المسؤول الجماعي أن هذه النتائج لم تأت صدفة، بل كانت ثمرة منهج جديد في التسيير المالي يرتكز على الشفافية والانضباط وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع اعتماد مقاربة تهدف إلى ترشيد النفقات وتوسيع قاعدة المداخيل الذاتية بدل الاكتفاء بالإجراءات التقليدية التي ظلت تحافظ على مستويات ضعيفة من التحصيل دون مردودية حقيقية.

وفي هذا السياق، سجل مرفق سوق الجملة للخضر والفواكه ارتفاعا ملحوظا في مداخيله بعد اتخاذ حزمة من القرارات الصارمة، من بينها تعيين مدير جديد يتمتع بالكفاءة، وتوقيف عدد من الوكلاء الذين لم يؤدوا المستحقات المتراكمة عليهم لفائدة الجماعة، وهي إجراءات أعادت الانضباط إلى هذا المرفق الحيوي وأنتجت نتائج ملموسة على أرض الواقع.

أما قطاع المسابح الجماعية فقد عرف قفزة نوعية خلال الموسم الصيفي المنصرم بعد افتتاح ثلاثة مسابح دفعة واحدة، من ضمنها مسبح 20 غشت والمسبح الأولمبي الذي تم وضعه لأول مرة في الخدمة منذ إنشائه، وبالتالي تضاعفت مداخيل المسابح ثلاث مرات مقارنة بالسنة الماضية، بفضل إشراف الرئيس عباس الومغاري المباشر على إنجاز الإصلاحات وتعبئة الموارد الذاتية للجماعة، في إشارة إلى أن الاستثمار في المرفق العمومي يمكن أن يكون منتجا متى توفرت الإرادة وحُسن التدبير.

ولم يتوقف التحسن عند هذا الحد، بل شمل أيضا مرفق المحطة الطرقية الذي عرف ارتفاعا في مداخيله، وسط طموح الجماعة إلى مضاعفتها مستقبلا عبر اتخاذ تدابير جديدة أبرزها فرض ضريبة على وقوف الحافلات وتنزيل مبادئ الحكامة والشفافية في تسيير هذا المرفق الذي يعتبر واجهة المدينة ورافدا اقتصاديا مهما.

كما أشار بقدير إلى أن مداخيل المحجز الجماعي شهدت هي الأخرى ارتفاعا معتبرا بفضل الإجراءات التنظيمية الجديدة التي تم اتخاذها لتقنين الاستغلال وتعزيز المراقبة وضمان أداء الرسوم المستحقة لفائدة الجماعة، ما جعل هذا المرفق الذي كان يعتبر هامشيا في السابق يساهم بدوره في الرفع من الموارد الذاتية.

إلى جانب ذلك، سجلت الضرائب المحلية تطورا لافتا، خاصة الضريبة على المشروبات، والضريبة المهنية، وضريبة الأراضي غير المبنية، ما يعكس عودة الانضباط الجبائي ونجاح الإدارة الجماعية في استرجاع ثقة الملزمين بفضل التواصل والمراقبة الفعالة، كما أكد بقدير أن هذه النتائج لم تكن لتتحقق لولا تعبئة الموظفين والأطر الجماعية الذين أبانوا عن كفاءة وانخراط حقيقي في مسار الإصلاح.

ويرى متتبعون للشأن المحلي أن هذه النتائج الأولية تعكس تغييرا جوهريا في منطق تدبير المالية المحلية، من مقاربة “الاستخلاص بالاعتياد” إلى مقاربة “التحصيل بالنجاعة”، حيث أصبح الهدف ليس فقط تحصيل المداخيل، بل ضمان استدامتها وعدالتها، كما ترسل هذه الدينامية رسالة واضحة إلى ساكنة مكناس مفادها أن مالية الجماعة بخير ولا خوف على المدينة، خاصة في ظل الحكامة الجديدة التي تربط المسؤولية بالمحاسبة وتراهن على تدبير عقلاني وشفاف للموارد.

ويختم زكرياء بقدير تصريحه برسالة مباشرة إلى الرأي العام المحلي قائلا، “الأرقام لا تكذب، وسنفصح عنها بالتفصيل عند عرض بيان تنفيذ الميزانية، ليعرف المكناسيون من يشتغل بصدق لمصلحة المدينة، ومن يختبئ وراء الشعارات للتشويش على العمل الجاد”.

نجاح تجربة مكناس، إن استمر بهذا النسق، يمكن أن يشكل نموذجا يحتذى به في تدبير المدن المتوسطة بالمغرب، حيث ترتبط التنمية المحلية بالإصلاح الإداري والمالي بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة، وبالتالي فإعادة الثقة في الإدارة الجبائية، وتحويل المرافق العمومية إلى مصادر تمويل مستدامة، هو التحدي الحقيقي لأي مجلس جماعي يسعى لتأهيل مدينته وتحسين جودة حياة ساكنتها.

إن تجربة مجلس مكناس الحالي لا تعني فقط ارتفاع الأرقام المالية، بل تمثل تحولا ثقافيا في مفهوم التدبير المحلي، حيث تتحول الشفافية إلى أداة إنتاج، والحكامة إلى مورد، والانضباط إلى رافعة للتنمية. وإذا ما استمر هذا النهج بنفس الجدية والالتزام، فقد تكون مكناس على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها الجماعي، عنوانها الكبير هو “النجاعة بدل الارتجال، والمردودية بدل الأعذار”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *