من وزير الثقافة إلى وزير الألعاب الإلكترونية.. بنسعيد يحول السياسة الثقافية إلى “بلاي ستيشن حكومي”

بقلم | فؤاد السعدي

لم يعد الغموض يحيط فقط بأداء وزارة الثقافة والشباب والتواصل، بل أصبح العبث هو العنوان الأبرز لسياساتها في عهد الوزير محمد المهدي بنسعيد، فبدل أن ينشغل الرجل بإصلاح ما تهالك في البنية الثقافية الوطنية، أو معالجة التهميش المزمن الذي تعيشه المؤسسات الشبابية والمراكز الثقافية، اختار لنفسه أن يكون “وزير الألعاب الإلكترونية”، يوزع الوعود الرقمية، ويطلق التصريحات المدهشة عن العلاقة بين السينما والذكاء الاصطناعي، وكأن الثقافة المغربية قد بلغت درجة الاكتفاء، ولم يبق سوى الانتقال إلى عالم “الميتافيرس”.

في زيارته الأخيرة إلى طنجة، لم يتحدث بنسعيد عن أزمة القراءة أو غياب المسارح أو ضعف الدعم الثقافي أو أوضاع الفنانين، بل تحدث عن “تكامل” بين صناعة الألعاب الإلكترونية والصناعة السينمائية، في مشهد يعكس انفصالا تاما عن الواقع الثقافي الذي يعيشه المغرب، ففي الوقت الذي تم فيه غلق دور الثقافة بالأحياء الشعبية، وتتحول المكتبات إلى فضاءات مهجورة، ويعاني الفنانون من ضعف الدعم وتأخر المستحقات، يواصل الوزير الترويج لمشاريع رقمية نخبوية لا تمس حياة المواطن البسيط في شيء.

لقد أصبح من الواضح أن السياسة الثقافية الحالية تسير في اتجاه التباهي بدل البناء، وبمنطق “التسويق” بدل “العمق”. وبالتالي كل مشاريع الوزير تدور حول الصورة والواجهة، كمهرجانات، وفضاءات رقمية، وشراكات شكلية، في حين يتم ترك القضايا الكبرى معلقة، من إصلاح البنية التحتية الثقافية إلى حماية التراث ودعم الإنتاج الفني الجاد.

وإذا كان من المفهوم أن تستثمر الدولة في التكنولوجيا والإبداع الرقمي، فإن ما يقوم به بنسعيد لا يمكن وصفه بالاستثمار الواعي، بل بالهروب إلى الأمام، فالتنمية الثقافية لا تقوم على “اللعب”، بل على بناء الوعي والهوية، وعلى تمكين الشباب من أدوات التفكير والإبداع الحقيقي، لا عبر ألعاب إلكترونية أو مؤثرات بصرية.

الأدهى من ذلك أن هذا الانشغال المفرط بالرقمنة يأتي في وقت يعرف فيه القطاع تراجعا غير مسبوق في الميزانية، وغياب رؤية متكاملة للنهوض بالثقافة الوطنية. بينما في المقابل، ييتم فتح الباب على مصراعيه أمام تسويق مشاريع تكنولوجية لا طائل منها سوى تلميع الصورة الشخصية للوزير، وإقحام وزارته في مجالات أقرب إلى “الترفيه” منها إلى “الثقافة”.

لقد تحولت وزارة الثقافة إلى شاشة رقمية، تلمع في المؤتمرات لكنها معطوبة في الواقع. ومع كل تصريح جديد للوزير، يتضح أن البوصلة قد ضاعت، فالثقافة تختزل في لعبة إلكترونية، والفن تم تحويله إلى مؤثر بصري، والشباب يتم بيع الوهم له بدل الأفق.

اليوم، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه هو هل نحتاج فعلا إلى وزير ثقافة يواكب تحولات الذكاء الاصطناعي، أم نحتاج إلى وزير يعيد الاعتبار للعقل المغربي، ويمنح الثقافة قيمتها كركيزة للتنمية والوعي؟ فبين “الرقمنة” و”الفراغ”، يبدو أن محمد المهدي بنسعيد اختار الطريق الأسهل وهو أن يلعب بدل أن يفكر، وأن يسلي بدل أن يبدع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *