“زلزال مكناس” يهز حزب الأصالة والمعاصرة.. مائة توقيع تطالب برحيل الأمين الإقليمي

في تطور لافت يعكس عمق الأزمة التي يعيشها حزب الأصالة والمعاصرة بمدينة مكناس، وجه أكثر من مائة مناضل ومناضلة من الحزب رسالة مفتوحة إلى القيادة الجهوية بجهة فاس – مكناس والقيادة الوطنية، يدقون فيها ناقوس الخطر بشأن ما وصفوه بـ”الوضع التنظيمي المقلق” الذي بات يهدد وحدة الحزب ومصداقيته داخل الساحة السياسية المحلية.
الرسالة التي يتوفر موقع المستقل على نسخة منها، والممهورة بلائحة تضم أسماء مائة توقيع من مناضلين بارزين، تأتي في سياق حالة من الاحتقان الداخلي غير المسبوق، بعدما فقد الحزب، حسب الموقعين، استقلالية قراره التنظيمي بالإقليم، وسمح بتغلغل أطراف سياسية منافسة في هياكله، عبر ما اعتبروه “تحالفات مصلحية ضيقة” تفرغ مشروع الحزب من محتواه الحداثي والديمقراطي.
وجاء في نص الرسالة أن “القرار الحزبي بالإقليم لم يعد نابعا من مؤسساته، بل أصبح رهينة لتفاهمات خارجية مع أطراف تنتمي إلى أحزاب أخرى، على رأسها التجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الدستوري، وحزب الاستقلال”، معتبرين أن هذه الوضعية تنذر بـ”اختطاف سياسي” للحزب داخل المدينة، في غياب أي تدخل حازم من القيادة الجهوية والوطنية.
وتوجهت الرسالة بانتقادات حادة إلى الأمين الإقليمي للحزب بمكناس، الذي وصف بأنه فقد روح الانتماء التنظيمي، وتحول إلى “فاعل براغماتي يتاجر بالموقع الحزبي لخدمة مصالحه الشخصية وتمكين خصوم الحزب من التأثير على قراراته”، وهي اتهامات غير مسبوقة تصدر عن مناضلين داخل التنظيم نفسه، ما يعكس عمق الشرخ القائم بين القاعدة والقيادة المحلية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تكون بداية حراك تصحيحي داخل الأصالة والمعاصرة بمكناس، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، التي تحتاج فيها الأحزاب الكبرى إلى صفوف موحدة وقواعد منسجمة، وبالتالي فالرسالة لا تقرأ فقط كاحتجاج داخلي، بل أيضا كصرخة سياسية تحمل دلالات على تصدع الثقة بين القيادة والمناضلين، وعلى وجود مخاوف من “اختطاف القرار الحزبي” لصالح أجندات انتخابية خارجية.
ويحذر الموقعون من أن استمرار هذا الوضع من شأنه أن ينسف كل المكتسبات التي حققها الحزب في المدينة خلال السنوات الماضية، مؤكدين أن غياب الحزم التنظيمي وترك القيادة الإقليمية دون مساءلة، سيفتح الباب أمام تآكل القاعدة النضالية وانصراف المناضلين نحو تشكيلات سياسية أخرى.
في المقابل، يؤكد أصحاب الرسالة تمسكهم الصادق بمبادئ الحزب، وبمشروعه المجتمعي القائم على الديمقراطية والحداثة، مشددين على أن تحركهم لا يستهدف التشويش، وإنما “تصحيح المسار وإعادة الثقة في التنظيم”.
وتشير مصادر من داخل الحزب إلى أن هذه الرسالة ليست سوى أول مؤشر على أزمة أعمق تمتد إلى عدة أقاليم بالجهة، حيث يعيش الحزب منذ فترة على وقع تراجع في الحضور الميداني، وانقسام في الرؤى حول طريقة تدبير التحالفات المحلية والعلاقات مع الأحزاب الحليفة في الحكومة.
ويرى محللون سياسيون أن ما يحدث بمكناس يعكس أزمة هوية يعيشها حزب الأصالة والمعاصرة منذ دخوله إلى النسق الحكومي، حيث فقد جزءا من زخم المعارضة الذي كان يمنحه قوة ميدانية وشعبية، ودخل مرحلة من “البرود التنظيمي” التي فتحت الباب أمام الصراعات الداخلية ومظاهر الولاء الشخصي على حساب العمل الجماعي.
الرسالة الموجهة إلى القيادة الوطنية تعد، في تقدير العديد من المراقبين، اختبارا حقيقيا لقدرة الحزب على الإصلاح الذاتي، وعلى التعامل بشفافية مع الأصوات المنتقدة من داخله، فإما أن يتم احتواء الوضع عبر إعادة ترتيب البيت الداخلي وتفعيل آليات المحاسبة، وإما أن تتوسع دائرة الاحتقان لتشمل مناطق أخرى، مما قد يضع الحزب في موقف حرج مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة.
وفيما يبدو أن “الزلزال التنظيمي” بمكناس ليس سوى وجه من أوجه أزمة أعم يعيشها “الجرار” على المستوى الوطني، أزمة تتعلق بالهوية السياسية، وبسؤال القيادة والتمثيلية، وبمدى قدرة الحزب على تجديد نخبته واستعادة ثقة قواعده قبل أن يجد نفسه خارج السباق الانتخابي المقبل.