بيان بلا روح.. جبهة البوليساريو تحاول العودة من الهامش عبر مقترح فارغ

بقلم | فؤاد السعدي
في خطوة تعيد إنتاج خطاب تجاوزه الزمن، خرجت جبهة البوليساريو ببيان جديد أطلقت عليه وصف “المقترح الموسع”، محاولة تقديمه كإطار “بديل” للنقاش حول قضية الصحراء المغربية، غير أن مضمون البيان، كما قرأه عدد من المراقبين، لم يحمل أي جديد يذكر، بل فقط أعاد تدوير الشعارات القديمة ذاتها التي فقدت منذ سنوات كل صلة بالواقعين السياسي والميداني.
البيان، الصادر عن إبراهيم غالي الموصوف بـ”رئيس الجمهورية الصحراوية”، جاء في لحظة دقيقة تسبق موعد مناقشة مجلس الأمن لتجديد ولاية بعثة “المينورسو”، وهو ما يؤكد أن الخطوة ليست سوى مناورة دعائية بإخراج جزائري واضح، الغاية منها تلميع صورة الجبهة أمام الرأي العام الدولي بعد أن وجدت نفسها خارج أي معادلة تفاوضية حقيقية.
غير أن المضمون البيان إن أمكن تسميته ذلك، يكشف أكثر مما يخفي، على اعتبار أن الحديث عن “مقترح موسع من أجل حل سياسي مقبول من الطرفين يضمن تقرير المصير”، ليس سوى إعادة صياغة بائسة ويائسة لمطلب الاستفتاء الذي طواه الزمن السياسي منذ قرارات مجلس الأمن الأخيرة، والسبب أن المجتمع الدولي بات يجمع على أن الحل الواقعي والوحيد هو مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها المملكة المغربية سنة 2007، والتي تم وصفها من قبل واشنطن وباريس ومدريد بأنها “جدية وذات مصداقية”.
وبالتالي، فالبيان لم يأت بأي طرح جديد سوى التذكير بمقترحات تعود لأكثر من عقد ونصف من الزمن، في وقت تتسارع فيه المتغيرات على الأرض من تنمية شاملة في الأقاليم الجنوبية، إلى مشاريع كبرى في الداخلة والعيون، ومؤسسات تمثيلية منتخبة تشتغل ضمن الإطار السيادي المغربي الكامل، وهو ما جعل الجبهة وكأنها تخاطب الماضي بينما المغرب يصنع المستقبل.
ويؤكد مراقبون أن هذا البيان ليس سوى أداة جديدة في يد المخابرات الجزائرية، التي تحاول من خلال واجهتها الانفصالية تفادي واقع سياسي لم يعد في صالحها، على اعتبار أن المقاربة الدولية اليوم تتجه نحو تثبيت الاستقرار بشمال إفريقيا عبر الواقعية السياسية، لا عبر الشعارات الإيديولوجية البالية. ومن هنا، فإن الحديث عن “تقرير المصير” و”الاستفتاء” لم يعد يقنع أحدا، لا بنيويورك ولا في بأديس أبابا.
الأدهى أن الجبهة، التي عاشت لسنوات على الدعم المالي والإعلامي الجزائري، وجدت نفسها اليوم منبوذة حتى من داخل دوائر صنع القرار بالجزائر التي تواجه بدورها أزمات داخلية خانقة، دفعتها إلى البحث عن “مناورات رمزية” لتبرير فشلها الدبلوماسي أمام الحركية المغربية، فبينما تحقق المملكة مكاسب متواصلة بإفريقيا وأمريكا اللاتينية، تنكمش البوليساريو في عزلة غير مسبوقة، لا تجد فيها سوى المنابر الافتراضية لترديد خطاب ميت ومتجاوز.
من الواضح أن ما تسميه “المقترح الموسع” ليس سوى محاولة بائسة لإطالة أمد نزاع استنزف المنطقة لعقود، في وقت اختار فيه المغرب طريق التنمية والواقعية. فمن الداخلة إلى العيون، تتجسد رؤية واضحة ترسِّخ السيادة المغربية وتكرس نموذجا تنمويا متقدما جعل من الأقاليم الجنوبية فضاء مفتوحا للاستثمار والاندماج الإفريقي.
لقد تحول ما يعرف بـ”النزاع المفتعل” إلى ملف فقد كل مبررات وجوده، بعد أن أصبحت مبادرة الحكم الذاتي تحظى بإجماع واسع داخل مجلس الأمن ودعم متزايد من القوى الكبرى، وبالتالي، ما يسمى بـ”جبهة البوليساريو” لا تمثل اليوم سوى صوت الماضي، تحركه قيادة فقدت بوصلة الزمن، وتعيش على إرث أيديولوجي متآكل.
الواقع الميداني يفرض نفسه وهو أن المغرب في الميدان، يشيد وينجز ويدمج أبناء الصحراء في مؤسسات الدولة، بينما خصومه بتندوف يعيدون إنتاج خطابات اليأس والتضليل، في فرق شاسع بين مشروع حياة يترسخ في الأقاليم الجنوبية، ومشروع وهمي يقوم على شعارات الخيام والمساعدات الإنسانية.
إن ما كشفه البيان الأخير ليس سوى اعتراف ضمني بانتهاء زمن الجبهة كفاعل سياسي مؤثر، فحتى لغة البلاغ، التي حاولت تغليف التراجع بعبارات “حسن النية” و”روح التفاوض”، لم تستطع إخفاء مرارة العزلة وفقدان الشرعية.
المغرب، الذي اختار منذ سنوات طريق الوضوح والمبادرة، لم يعد معنيا ببيانات بلا مضمون ولا شرعية، وأن المنتظم الدولي، الذي يتعامل اليوم مع الواقع المغربي كإطار ثابت، يدرك أن مرحلة “العبث الدبلوماسي” انتهت، وأن مناورات الجزائر وأذرعها لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
وفي المحصلة أن لا جديد في بيان جبهة تبحث عن أنفاسها الأخيرة، فقط الجديد الوحيد هو الرسوخ المغربي في موقعه السيادي، والعزلة المتزايدة لأولئك الذين اختاروا أن يعيشوا خارج الزمن.