المهدي بنسعيد حين يسحب القصر ثقته من وزير الثقافة

بقلم | فؤاد السعدي

رغم مرور أشهر على انعقاد أول دورة للمجلس الإداري للمسرح الملكي بالرباط، التي ترأستها سمو الأميرة للا حسناء يوم 15 ماي الماضي، ما يزال غياب وزير الثقافة المهدي بنسعيد عن هذه المحطة البالغة الرمزية يثير أكثر من علامة استفهام، على اعتبار أن الأمر لا يتعلق بمجرد غياب بروتوكولي، بل بإشارة سياسية وثقافية عميقة تعيد طرح سؤال جوهري بخصوص ما إن كان الوزير الذي وضع على رأس قطاع الثقافة لا يزال قادرا على حمل هذا المشروع الوطني الحيوي؟

هذا المجلس الذي يتألف من أسماء لامعة في عوالم الفن والمال والفكر، من بينها الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، رئيسة مجلس أمناء متاحف قطر، وبريجيت ماكرون حرم الرئيس الفرنسي، وعثمان بنجلون، ومايكل زاوي، ومختار ديوب، وهدى الخميس-كانو، وجاد المالح، وميشيل كانيزي، وهيلين ميرسيي-أرنو، وفريد بن سعيد، ومحمد اليعقوبي، الوالي الذي أصبح اسمه مرادفا للنجاعة وحسن التدبير في الأوراش الملكية الكبرى، يغيب عنه اسم الوزير المكلف بالثقافة، في وقت يفترض أن يكون أول الحاضرين في مثل هذا الصرح الثقافي الذي يمثل واجهة رمزية للمغرب المعاصر.

من حيث الشكل، يبدو الحدث عابرا، لكن من حيث الجوهر، يحمل هذا الغياب دلالة واضحة على تراجع الثقة في تدبير الوزير للقطاع الذي أوكل إليه. فغيابه عن مؤسسة بحجم المسرح الملكي، الذي يعد أحد رموز الثقافة المغربية الحديثة، يعكس بوضوح حجم الفجوة بين الخطاب الذي يقدمه الرجل للنهوض بالثقافة وبين واقع الأداء الباهت لوزارته.

فمنذ توليه المنصب، تحولت وزارة الثقافة إلى مساحة للقرارات المرتجلة والمبادرات المقطوعة عن واقع المبدعين، وبالتالي لم نعد نرى سياسة ثقافية متكاملة، بل مجرد مناسباتية تبنى على الصورة أكثر من الرؤية، وعلى العلاقات العامة أكثر من التخطيط الاستراتيجي.

والأدهى من ذلك أن الوزير، الذي كان يفترض أن يكون “صوت المثقفين داخل الحكومة”، أصبح أقرب إلى موظف سياسي يدير الشأن الثقافي بمنطق العلاقات لا بمبدأ الكفاءة، وسط تململ واضح في أوساط الفنانين والكتاب الذين يشتكون من غياب الحوار واحتكار القرار.

ففي الوقت الذي كان عليه أن يواكب الرؤية الملكية الرامية إلى جعل الثقافة رافعة للتنمية، انشغل الوزير بتدبير الملفات الثانوية، من توزيع منح المهرجانات بانتقائية إلى تعيين المقربين في مناصب المسؤولية. أما المشاريع الكبرى، فبقيت مجمدة أو تائهة بين اللجان والدواوين، دون أثر ملموس على الأرض.

الرسالة التي بعثها غيابه عن المجلس الإداري للمسرح الملكي لم تكن رمزية فقط، بل سياسية بامتياز، على اعتبار أنه حين تسحب مؤسسة بهذا الوزن الثقة من وزير القطاع، فإنها تعلن بوضوح أن الثقافة لم تعد في يد أمينة، وأن زمن الشعارات الجميلة قد انتهى.

في المقابل، كان حضور الوالي محمد اليعقوبي في تشكيلة المجلس دليلا على أن الدولة تفضل الكفاءات الميدانية القادرة على الإنجاز، لا الوزراء الذين يجيدون التصوير أكثر مما يجيدون التخطيط.

الواقع أن فشل بنسعيد لا يمكن فصله عن سلسلة من الإخفاقات المتراكمة التي عرفها قطاع الثقافة في المغرب خلال العقدين الأخيرين، فبعد تجارب وزراء مثل محمد الأشعري أو بنعبد الله أو أمين الصبيحي، الذين حاولوا بناء سياسة ثقافية تستند إلى العمق المجتمعي والبعد الفكري، جاء جيل جديد من الوزراء تعاملوا مع الثقافة كملف إداري تقني أو واجهة ترويجية، لا كمجال استراتيجي لتشكيل وعي الأمة وصورتها في العالم.

لقد أظهرت التجربة أن القطاع الثقافي بالمغرب لا يحتاج إلى وزير يبحث عن الضوء، بل إلى رؤية تنير الطريق، لأن الثقافة ليست “حدثاً إعلاميا” ولا “مشروعا موسميا”، بل هي هندسة رمزية للمجتمع، وأي خلل في تدبيرها ينعكس على مستوى الوعي العام والهوية الجماعية.

اليوم، وقد مر زمن على تلك الرسالة التي وجهها المجلس الإداري للمسرح الملكي من خلال تغييب الوزير، يبدو أن آثارها تتعمق أكثر فأكثر، فالرجل الذي جاء بخطاب التجديد والإبداع انتهى محاصرا بملفات الخلاف والارتباك.

والمؤسف أن المشهد الثقافي المغربي يعيش اليوم حالة فراغ قيادي حقيقية، في وقت يراهن فيه المغرب على القوة الناعمة كركيزة لمكانته الدولية وصورته الحضارية كما الحال بالنسبة للرياضة وتحديد كرة القدم.

باختصار، غياب بنسعيد عن المجلس لم يكن صدفة، بل خلاصة تجربة قصيرة المدى، لكنها ثقيلة العبرة، تظهر أن من لا يملك مشروعا ثقافيا واضحا لا مكان له في هندسة المغرب الجديد. ما لا يريد أن يستوعبه الوزير هو أن الثقافة اليوم لم تعد مجرد حقيبة وزارية، بل امتحان للدولة في ذكائها الرمزي، ولبعض الوزراء في حدود قدراتهم الفعلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *