فؤاد السعدي يكتب.. حين تباع أملاك الدولة لشراء وهم المجد الكروي

في السنوات الأخيرة، اختارت الحكومة السير في نهج جديد لتدبير المال العام تحت شعار “التمويلات المبتكرة”، وهي صيغة يتم تقديمها على أنها حل عصري لتعبئة الموارد وتجاوز العجز، غير أن هذه السياسة، التي تبدو جذابة في ظاهرها، تخفي في جوهرها مقاربة مالية قصيرة النظر، تقوم على تفويت أصول الدولة، وزيادة الضغط الضريبي، دون أن يتم ترجمتها إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين أو تعزيز فعلي للدولة الاجتماعية.

فحين تباع 592 منشأة ومبنى عمومي بما يقارب 35 مليار درهم في سنة واحدة، وحين ترتفع الضرائب المباشرة من 201 إلى 329 مليار درهم بين 2021 و2025، دون أثر  مباشر وإيجابي واضح على قطاعات التعليم أو الصحة أو التشغيل، يصبح من المشروع أن نتساءل، أين تذهب كل هذه الأموال؟

الجواب، للأسف، يقودنا إلى ملاحظة مؤلمة؛ على اعتبار أن جزءا كبيرا من هذه المداخيل الإضافية، سواء المحصلة من الضرائب أو من ما يسمى بالتمويلات المبتكرة، يتم توجيهها إلى المنشآت الرياضية والبنيات التحتية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.

صحيح أن الرياضة، في حد ذاتها، يمكن اعتبارها استثمارا في صورة البلاد ومكانتها الدولية، غير أن جعلها أولوية مطلقة على حساب القطاعات الحيوية يعد للأسف اختلالا خطيرا في ترتيب الأولويات.

فمن غير المنطقي اليوم أن يتم بناء الملاعب الحديثة بينما المستشفيات تفتقر للأطر والتجهيزات الأساسية، أو أن يتم تعبيد الطرق نحو المركبات الرياضية الضخمة بينما تتآكل مدارس القرى وتغرق أحياء الهامش في التهميش واللامبالاة.

الأكيد أننا لسنا ضد الرياضة ولا ضد مشاريع البنية التحتية المرتبطة بها، بل ضد تحويلها إلى غطاء لتجميل المؤشرات وإخفاء هشاشة الواقع الاجتماعي. والأدهى من ذلك أن توجيه السياسة المالية بكاملها نحو هذه المشاريع الاستعراضية يشبه وضع كل البيض في سلة واحدة، ليبقى السؤال، ماذا بعد أن تنتهي هذه الأوراش الضخمة وينتهي معها الزخم الرياضي؟ هل ستوفر تلك المنشآت فرص عمل مستدامة؟ هل سيتم تقليص الاكتظاظ في المدارس أو تحسن ظروف العلاج في المستشفيات؟ بالطبع لا، لأن هذه المشاريع ذات طبيعة ظرفية، في حين أن احتياجات المواطن دائمة وممتدة.

اليوم المغاربة لا ينتظرون من حكومتهم ملاعب إضافية، بل مدارس أقل اكتظاظا، ومستشفيات أكثر تجهيزا، وفرص شغل تحفظ الكرامة، وبالتالي دعونا نقول أن الحكومة الحالية، بقيادة الوزير المكلف بالميزانية فوزي لقجع، أخفقت في ابتكار استراتيجية متوازنة تراعي هذه الأولويات، بعدما اختارت الطريق الأسهل وهو بيع الأصول وزيادة الجبايات، بدل العمل على إصلاح البنية الضريبية وتوسيع قاعدة المساهمين بعدالة.

وفوق ذلك، منحت هذه الحكومة امتيازات ضريبية سخية للشركات الكبرى التي تتجاوز استثماراتها ملياري درهم، بتخفيضٍ لا يتعدى 10%، في الوقت الذي ترهق فيه المقاولات الصغرى والمتوسطة برسوم وضغوط ضريبية خانقة، لنستنتج في الاخير أن هذه الحكومة لا تحارب الريع كما تزعم، بل تغذيه وتكرسه، بتحول السياسية الجبائية من أداة لتوزيع الثروة بعدالة إلى وسيلة لتوسيع الفوارق.

والنتيجة أن السياسة المالية فقدت بوصلتها؛ إذ لم تعد تعبر عن رؤية مجتمعية متكاملة، بل تحولت إلى منطق مقاولاتي ضيق يهدف إلى ملء الخزينة بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب السيادة الاقتصادية وعدالة التوزيع. وما يفرض أن يستوعبه مهندسو السياسية “التمويلات المبتكرة” أن المالية العمومية ليست مجرد أرقام في قانون الميزانية، بل مرآة تعكس أولويات الدولة ونظرتها للمستقبل، وبالتالي حين تغيب هذه الرؤية، تتحول الحكومة إلى مقاول كبير يبيع الممتلكات ويشيد المنشآت دون وعي بالأثر الاجتماعي لكل درهم يتم صرفه.

إن المغرب اليوم بحاجة إلى سياسة مالية تخلق القيمة لا إلى أخرى تجمل الواجهة، وإلى دولة توازن بين طموحها في تنظيم تظاهرات عالمية وبين واجبها في ضمان التعليم والصحة والكرامة لمواطنيها، لأن الملاعب لا تعوض المستشفيات، والمونديال لا يغني عن المدرسة، والإنجازات الرمزية لن تصلح واقعا اجتماعيا متأزما.

لقد آن الأوان لإعادة ترتيب الأولويات وبناء مالية عمومية قائمة على الحكامة والعدالة، لا على التلميع والتفويت، وأن الإبداع الحقيقي في المالية ليس في ابتكار “تمويلات مبتكرة”، بل في ابتكار عدالة مالية تنصف المواطن وتعيد الثقة في الدولة.

وبالتالي ما لم تدرك الحكومة ذلك، فإن كلفة هذه السياسات ستكون ثقيلة، ليس فقط على ميزانية الدولة، بل على تماسك العقد الاجتماعي برمته، والدولة لا تبيع أصولها لتبني ملاعبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *