بعد أن ألغى صفقة سلفه.. وزير التعليم العالي يعيد الكرة بصفقة أثاث بـ374 مليون سنتيم

أطلقت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار صفقة دولية لتجديد عتاد وأثاث مكاتبها المركزية بالرباط، بكلفة تقديرية تناهز ثلاثة ملايين وسبعمائة وسبعة وأربعين ألف درهم، أي ما يقارب 374 مليون سنتيم.
ووفقا للوثائق، تحمل الصفقة رقم MB/05/2025، ومن المقرر فتح أظرفتها يوم 11 نونبر المقبل بمقر مديرية الميزانية والشؤون العامة، في حصة فريدة تهم اقتناء تجهيزات وأثاث مكتبي جديد لفائدة الإدارة المركزية.
في هذا السياق، عبرت مصادر مهنية عن استغرابها من توقيت الصفقة، معتبرة أن “اقتناء أثاث إداري بهذه الكلفة لا ينسجم مع خطاب الترشيد الذي تبناه الوزير عز الدين الميداوي منذ توليه المنصب”، لاسيما أنه كان قد ألغى قبل أقل من عام صفقة مثيرة للجدل بقيمة 420 مليون سنتيم أبرمها سلفه عبد اللطيف الميراوي، بدعوى غياب الجدوى وارتفاع التكلفة.
وأضافت المصادر أن الوزارة “تبدو في تناقض واضح بين ما ترفعه من شعارات وما تنفذه فعليا على الأرض”، مشيرة إلى أن “الميداوي قدم نفسه في البداية كوزير إصلاحي يضع الشفافية فوق كل اعتبار، غير أن إطلاق صفقة من هذا النوع، في وقت تعاني فيه الجامعات العمومية من خصاص في التجهيزات والمختبرات، يضعف صدقية هذا الخطاب”.
وترى المصادر نفسها أن الخطوة الجديدة تمثل “تحولا دالا في أولويات الوزارة”، إذ بدل التركيز على تحسين ظروف الطلبة والأساتذة وتطوير البنيات التحتية الجامعية، اختارت تخصيص ميزانية كبيرة لتأثيث المكاتب المركزية، وتضيف أن “الأثاث الإداري لا يمكن أن يكون أولوية في مرحلة تعرف فيها الجامعات اكتظاظا غير مسبوق وتراجعا في جودة التكوين”.
في المقابل، تؤكد مصادر من داخل الوزارة أن العملية “إدارية عادية تدخل في إطار تحديث المقرات وتوحيد صورة الإدارة المركزية”، بينما يرى آخرون أن “الأمر يتجاوز التجديد المادي إلى بعد رمزي يعكس عقلية المسؤولين في إدارة الموارد”، متسائلين عن مدى انسجام هذه الخطوة مع وعود الوزير بـ“عقلنة النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة”.
اللافت أن الصفقة تأتي بعد عام تقريبا من قرار الميداوي إلغاء صفقة “التحول الرقمي”، التي بلغت كلفتها التقديرية 420 مليون سنتيم، وقد جرى الترويج لذلك القرار حينها كإشارة إلى القطيعة مع منطق الصفقات الغامضة والإنفاق غير المبرر.
غير أن توقيت الصفقة الحالية يطرح تساؤلات أكثر حدة في ظل توجيهات رئيس الحكومة الأخيرة بضرورة ترشيد النفقات العمومية، والتي شددت على تقليص المصاريف غير الأساسية، خاصة ما يتعلق بالأثاث، والسفريات، واقتناء السيارات، وتأثيث المكاتب الإدارية.
ففي الوقت الذي تم فيه توجيه الوزارات والمؤسسات العمومية إلى “اعتماد الإنفاق الضروري فقط بما يحقق النجاعة ويجنب الهدر”، تبدو هذه الصفقة خارجة عن روح هذه التوجيهات، ما يثير تساؤلا مشروعا حول مدى احترام الوزارة لخط الترشيد الحكومي العام.
ويعتبر مستوى الإنفاق الحكومي على الأثاث والتجهيزات الإدارية، في عدد من الدول، مؤشرا دقيقا على درجة الانضباط المالي داخل المؤسسات العمومية، ففي فرنسا مثلا، فرضت الحكومة منذ 2017 قيودا صارمة على شراء الأثاث الوزاري بعد تقارير ديوان المحاسبة التي كشفت نفقات “رمزية” بملايين اليوروهات على ديكور داخلي لا علاقة له بجودة الخدمة. وفي تونس، ألغت وزارة المالية سنة 2022 صفقات مماثلة بدعوى أن “الدولة لا يمكن أن تحدث كراسيها بينما المدارس بلا مقاعد”.
وانطلاقا من هذه الأمثلة، ترى المصادر أن صفقة وزارة التعليم العالي “لا يمكن قراءتها خارج هذا السياق الرمزي”، لأنها تمتح، بحسب قولهم، من ثقافة “تجميل المكاتب بدل إصلاح المنظومات”، وهي ثقافة تناقض بوضوح المنطق الإصلاحي الذي بشر به الوزير نفسه.
في المحصلة، يجد الرأي العام نفسه أمام صورة مزدوجة، من جهة وزير يرفع شعار الترشيد، ووزارة تطلق صفقة أثاث بمئات الملايين من الجهة الأخرى،
وهو تناقض يعيد إلى الواجهة السؤال الأهم وهو،
هل أصبح ترشيد النفقات بالمغرب شعارا يرفع فقط في الخطب الرسمية، بينما تستمر بعض القطاعات في الإنفاق غير المبرر تحت عناوين “التحديث الإداري” و”تحسين صورة المقرات”؟