40 مليون سنتيم تبحر خارج القانون.. جماعة طنجة تمول البحر وتنسى البر

طنجة – تعيش مدينة طنجة على وقع جدل واسع عقب إدراج مجلس جماعتها نقطة للمصادقة على اتفاقية شراكة مع اللجنة المحلية للبحث والإنقاذ البحري، تخصص بموجبها الجماعة دعما ماليا بقيمة 40 مليون سنتيم لفائدة خافرة الإنقاذ “طارق”. الخطوة التي تم تقديمها بغطاء إنساني نبيل تحت عنوان “إنقاذ الأرواح البشرية في عرض البحر”، تكشف في جوهرها خللا عميقا في منطق التدبير المالي وتوزيع الأولويات داخل المجلس الجماعي.
من حيث المبدأ، لا أحد يختلف حول قدسية إنقاذ الأرواح، لكن من حيث الاختصاص القانوني، فإن تمويل عمليات الإنقاذ البحري يدخل حصريا ضمن صلاحيات الدولة، عبر مؤسساتها المختصة كوزارة الداخلية ووزارة التجهيز والنقل واللوجستيك، وهيئات الإنقاذ البحرية التي تتوفر على إمكانيات ضخمة وميزانيات مرصودة لهذا الغرض.
أما جماعة طنجة، فصلاحياتها تمتد إلى الإنارة العمومية، والنظافة، والبنية التحتية، والنقل الحضري، والمرافق الحضرية، وليس إلى عرض البحر ومهام خفر السواحل. وبذلك، فإن القرار يعد تجاوزا صريحا لحدود الاختصاص القانوني للجماعة.
ثم إن غياب الأولويات الواقعية يزيد من حدة التساؤلات، خصوصا وأن مدينة طنجة تعاني اليوم من تأخر مشاريع البنية التحتية، وضعف صيانة الطرق، وتراجع الخدمات الحضرية، وخصاص واضح في الدعم الثقافي والرياضي والاجتماعي. فهل من المنطقي مع كل هذا أن تخصص الجماعة 40 مليون سنتيم لمجال خارج اختصاصها بينما تعجز عن تمويل مشاريع تهم حياة المواطن اليومية؟ هذا القرار يعكس استخفافا واضحا بأولويات المدينة واحتياجات سكانها.
إلى جانب ذلك، يبرز مشكل عدم التوازن في توزيع الدعم العمومي، لأنع في الوقت الذي تغلق فيه الجماعة باب الدعم أمام جمعيات تناضل في مجالات الثقافة والرياضة والتنمية الاجتماعية، تقدم منحة سخية لخافرة بحرية لا علاقة لها بمجال تدخل الجماعة، وهو تناقض يفتح الباب أمام شبهات المحاباة والولاءات السياسية أكثر مما يعكس نية حقيقية في خدمة المصلحة العامة.
أما من حيث الجانب المالي والعملي، فلا يوجد أي مبرر واضح لهذا الدعم، على اعتبار أن اللجنة المحلية للبحث والإنقاذ تتوفر أصلا على دعم مؤسساتي، وعلى موارد من الدولة وشركاء عموميين، وليس هناك ما يثبت أنها عاجزة عن أداء مهامها دون هذا التمويل الجماعي. فهل يجوز لجماعة تعاني من عجز مالي أن تمول نشاطا سياديا تموله الدولة؟
إن القرار يكشف عن خلل بنيوي في تدبير المال العام، وغياب رؤية تنموية متكاملة، بل ويؤكد أن منطق الولاء والتوازنات السياسية داخل المجلس لا يزال يتحكم في توجيه الميزانية، بمعنى حين يتم صرف الملايين خارج الإطار القانوني، وفي زمن التقشف، فلا يمكن إلا أن نصف الأمر بأنه عبث إداري ومالي يستحق المساءلة والمحاسبة.
لقد آن الأوان لسلطات الرقابة، ممثلة في والي الجهة ووزارة الداخلية، أن تتدخل لتدقيق هذا القرار، حماية للمال العام، وإعادة ترتيب الأولويات وفق منطق المصلحة العامة لا المصلحة السياسية.
فطنجة اليوم لا تحتاج إلى “خافرة بحرية” تمولها الجماعة، بل إلى إنقاذ حقيقي لسياسة المدينة من الغرق في سوء التدبير وغياب الرؤية.