المحطة الطرقية بمكناس تحت رحمة عصابات الكورتية.. وصمت النيابة العامة يشعل الغضب

مكناس – تحولت المحطة الطرقية بمدينة مكناس في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه “المنطقة المحررة” من سلطة القانون، بعدما صارت مرتعا لذوي السوابق العدلية وفضاء خصبا لممارسة العنف والابتزاز ضد المهنيين والمواطنين على حد سواء، في ظل صمت إداري وتساهل قضائي يثير أكثر من علامة استفهام، فبعد أيام فقط من الاعتداء الذي تعرض له صاحب حافلة من طرف وسطاء معروفين داخل المحطة، شهدت المحطة حادثا جديدا تمثل في تعنيف مساعد سائق حافلة تعمل على خط مكناس – الدار البيضاء، من طرف أحد “الكورتية” المشهورين بسوابقهم العدلية، في مشهد بات يتكرر دون رادع.
الاعتداء، الذي تم في وضح النهار، لم يكن مفاجئا بالنسبة للمهنيين الذين يؤكدون أن المحطة الطرقية بمكناس أصبحت خاضعة لنفوذ مجموعة من الأشخاص الذين يفرضون إتاوات على السائقين تحت تهديد العنف، مستفيدين من شعور مريح بالإفلات من العقاب. فهؤلاء، كما يقول شهود، يعرفون مسبقا أن مصيرهم بعد كل شكاية هو الخروج بكفالة بعد ساعات من التوقيف، وكأن النيابة العامة تمنحهم صك براءة مسبقا لمواصلة نشاطهم.
المثير أن المعتدي الأخير معروف لدى السلطات، وسبق أن دخل السجن في قضايا مماثلة تتعلق بالابتزاز والعنف، غير أن عودته السريعة إلى المحطة، واستمراره في الترهيب دون حسيب، تطرح تساؤلات عميقة حول دور النيابة العامة في حماية الأمن العام، وبالتالي هل يعقل أن تبذل الشرطة مجهودا في التوقيف والتحقيق وتحرير المحاضر، ثم يأتي قرار الإفراج المؤقت ليقوض كل هذا العمل، ويعرض الضحايا مجددا للخطر؟ ألا تتحول بذلك قرارات النيابة العامة، عن قصد أو غير قصد، إلى حماية غير مباشرة للمجرمين؟
قانونيا، النيابة العامة هي الجهة الساهرة على حماية المجتمع عبر تحريك الدعوى العمومية ضد المعتدين، لكنها في هذه الحالات، كما يرى حقوقيون، باتت تمارس نوعا من “التساهل البنيوي” الذي يشجع الجناة على التمادي، بمعنى حين يعلم المعتدي أنه سيخرج بكفالة مهما كان الفعل المرتكب، يفقد الردع معناه، وتصبح الكفالة مجرد ضريبة رمزية يدفعها ليستأنف نشاطه الإجرامي في اليوم الموالي.
أما السلطات الإدارية، فتتحمل بدورها نصيبا كبيرا من المسؤولية، لأنها تكتفي بالمشاهدة دون تدخل فعال لإعادة النظام داخل هذا المرفق العمومي الحيوي. فالصمت الذي يطبع تعاملها مع تكرار الاعتداءات يعطي الانطباع بأنها إما عاجزة أو غير معنية بحماية المهنيين والمرتفقين، وكأن المحطة الطرقية خارج نفوذ الدولة.
إن ما يجري اليوم بالمحطة الطرقية مكناس لا يمكن اختزاله في مشاجرات فردية، بل هو عرض لمرض أعمق يتمثل في غياب دولة القانون داخل الفضاءات العمومية. فحين يتحول “الكورتي” إلى سلطة فعلية تخيف السائقين والركاب، وحين يصبح الأمن مهددا بسبب تراخي النيابة العامة وصمت السلطات، فإننا أمام أزمة ثقة في مؤسسات يفترض أن تكون الحامية الأولى لسلامة المواطن وكرامته.
اليوم، لم تعد الحوادث المتكررة داخل المحطة الطرقية بمكناس مجرد أحداث عابرة، بل ناقوس خطر يستدعي تدخلا حازما يعيد الاعتبار للقانون وهيبة الدولة. لأن ما يحدث ليس سوى نتيجة مباشرة لتساهل ممنهج يضرب في عمق العدالة، ويحول المجرم إلى صاحب نفوذ، والضحية إلى الحلقة الأضعف في معادلة مقلوبة، حيث يكافأ المعتدي بالإفراج ويترك المواطن يواجه الخوف وحده.
الأكيد أن مكناس تستحق محطة طرقية تليق بها، لا بؤرة عنف وابتزاز تنخر جسد المدينة في صمت، والمسؤولية اليوم تقع على عاتق النيابة العامة والسلطات المحلية والأمنية معا، فإما أن تعيد هذه المؤسسات الانضباط إلى المرفق العام، أو أن تتركه رهينة لعصاباتٍ صغيرة تمارس سلطة موازية باسم اللامبالاة.