قيوح يفتح ملفات عالقة عمرت لعقود.. لكن صفقة المحامين تثير أسئلة الحكامة

في سياق يعرف فيه قطاع النقل العمومي للمسافرين والنقل السياحي دينامية إصلاحية غير مسبوقة، أطلق وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح مبادرة جريئة لمعالجة الملفات العالقة منذ أكثر من عقد من الزمن، والمتعلقة أساسا بـالتجديد السباعي للرخص، وإعادة استغلالها، وتحويل ملكيتها، وهي ملفات ظلت معلقة منذ سنة 2011 دون حسم، رغم ما تسببت فيه من إرباك إداري ومهني واسع.
الوزير الحالي أظهر منذ توليه المنصب إرادة سياسية واضحة في القطع مع منطق الانتظار والتردد، حيث وجه تعليماته إلى مصالح الوزارة ومديرية النقل من أجل تسوية جميع الملفات العالقة بدون استثناء، وفق مقاربة شاملة تقوم على تبسيط المساطر، وتسريع وتيرة البت، وتحقيق العدالة بين المهنيين. وقد لاقت هذه الخطوة ترحيبا كبيرا من مختلف الفاعلين في القطاع، الذين اعتبروها تحركا عمليا طال انتظاره، بعد سنوات من الجمود الإداري والبيروقراطية المفرطة.
لكن ما أثار النقاش المهني في الفترة الأخيرة هو توجه الوزير نحو إبرام صفقة مع مكاتب محاماة لتدبير وتتبع هذه الملفات، في وقت كانت فيه مديرية النقل بأطرها وموظفيها قد نجحت فعليا في إنجاز الجزء الأكبر من هذه المهام بكفاءة عالية، وبمجهودات ذاتية تمتد أحيانا إلى خارج أوقات العمل الرسمية، وهو ما أثار تساؤلات لدى عدد من المهنيين والمتابعين للشأن القطاعي، ممن اعتبروا أن مثل هذه الخطوة قد تفرغ المجهود الإداري من مضمونه، وتنتقص من القيمة المؤسسية لمديرية النقل التي أبانت عن كفاءة عالية في تنفيذ التعليمات الوزارية الأخيرة.
فمن الناحية العملية، يتساءل المتتبعون حول الداعي للتعاقد مع محامين في ملف إداري صرف، لا يتعلق بنزاعات قضائية أو تأويلات قانونية معقدة؟ ولماذا لا يتم توجيه الاعتمادات المرصودة لهذه الصفقة إلى تحفيز الأطر الإدارية والموظفين الذين تحملوا عبء المعالجة اليومية للملفات، وغالبا ما اشتغلوا خارج أوقاتهم القانونية لإنهاء تراكمات دامت أكثر من عشر سنوات؟
إن منطق التدبير الحديث يقوم على تحفيز الكفاءات الداخلية وتعزيز روح الانتماء الإداري، لا على تفويض مهامها إلى أطراف خارجية إلا عند الضرورة القصوى، وقد أثبتت التجربة أن الكفاءات الموجودة داخل وزارة النقل تمتلك الدراية القانونية والتقنية الكافية لمعالجة الملفات المعنية، بل إن أغلب هذه الأطر ساهمت فعليا في صياغة المذكرات التنظيمية التي أطرت عملية التجديد السباعي وتسوية الرخص.
كما أن إبرام صفقة من هذا النوع، في سياق يعاني فيه القطاع من محدودية الموارد المالية، قد يبعث رسالة سلبية إلى الموظفين الذين كانوا في صلب عملية الإصلاح، إذ سيشعرون بأن جهدهم لم يقدر، وأن الأجر المعنوي والمادي الذي يستحقونه ذهب إلى جهة خارجية لم تشارك في بناء هذا التقدم الملموس.
من جهة أخرى، يرى بعض الفاعلين أن الوزير قد يكون يسعى إلى تسريع وتيرة المعالجة القانونية لبعض الملفات المعقدة التي تتداخل فيها الجوانب الإدارية والملكية، غير أن هذا التبرير يظل بحاجة إلى توضيح رسمي، خاصة في ظل غياب بلاغ يشرح حيثيات التوجه الجديد وأهدافه الفعلية.
في المقابل، يجمع عدد من المهنيين على أن الأولوية اليوم ليست في إبرام الصفقات، بل في تثمين العمل الإداري الميداني، واستثمار الزخم الإيجابي الذي خلقته مبادرة الوزير في بدايتها من خلال دعم الأطر القائمة بالمهمة وتوفير الإمكانيات التقنية والبشرية الكفيلة باستدامة الإصلاح.
إن تسوية ملفات النقل العمومي تمثل اختبارا حقيقيا للحكامة داخل وزارة النقل، ونجاحه رهين بمدى انسجام القرارات مع منطق النجاعة والتدبير الرشيد للموارد العمومية. فالجرأة التي ميزت مبادرة الوزير قيوح في فتح الملفات العالقة يجب أن تستكمل بقدر مماثل من الشفافية في تبرير الخيارات المالية والإدارية، ضمانا لمصداقية الإصلاح واستمراريته.
ويبقى السؤال المشروع مطروحا أمام الرأي العام المهني بخصوص ما إن كانت الوزارة تحتاج فعلا إلى وساطة قانونية خارجية لتدبير ما أثبتت أطرها كفاءتها في معالجته؟ أم أن الأنسب هو تحويل الاعتمادات المخصصة للصفقة إلى تحفيزات داخلية تكافئ مجهود الموظفين الذين أثبتوا أن الإرادة الإدارية قادرة وحدها على تحقيق الإصلاح حين تتوفر الثقة والتقدير؟
إن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على اتخاذ قرارات جريئة، بل يمتد إلى حسن تدبير الموارد البشرية والمالية بما يعزز استدامة النتائج ويضمن المصداقية. ومن هنا، فإن تسوية ملفات النقل العمومي ستظل اختبارا مزدوجا بمعنى اختبارا للجرأة في القرار، واختبارا للشفافية في التنفيذ.