في ظل الصراع.. حزب “الحصان” بمكناس بين فقدان البوصلة وضبابية الموقف

إن ما يجري اليوم بمجلس جماعة مكناس من فضائح مضحكة مبكية تشير إلى أن الأغلبية لا تزال في مرحلة المراهقة غير الناضجة وغير المتزنة، وأن السياسة لا زالت مبتلاة بظاهرة الشخصنة، وانتظار وجود الفرد القائد الفذ المنقذ بدلا من اعتمادها على المؤسسات الحزبية الديمقراطية المنظمة الفاعلة الكفؤة. وهو ما يعكس واقع الحال والتخبط والقلق في ظل وجود سياسيين فشلوا في التوافق على صيغة اتفاق بشأن كيفية الخروج من “البلوكاج” المفتعل واللحاق بقطار التنمية من أجل تدارك سنة من عمر المجلس.
الأسوأ من ذلك أنه حتى اللحظة، لا أحد يعرف إلى أين ستتجه الأمور، أو كيف سيكون شكل العلاقة بين جواد باحجي الباق على رأس المجلس والأغلبية المنقلبة في ما تبقى من عمر الولاية الجماعية. “الغموض” إذن يبقى الكلمة الأكثر تداولاً إزاء هذه القضية التي تثير الرعب في أوساط المكناسيين الذين يحذرون من سيناريو كارثي كلما طال أمد الضبابية التي أضرَّت بسمعة المدينة. المذهل أن الكل يرى خطورة الوضع، لكن الطبقة السياسية بالمجلس الجماعي تبدو عاجزة تماماً عن التوافق على رؤية موحدة لإخراج المدينة من النفق المظلم. فما يدور داخل دهاليز المجلس اليوم أصبح مثل “حرب عصابات” منهكة. الأغلبية منقسمة، وأحد ركائزها حزب الإتحاد الدستوري منقسم أكثر من أي وقت آخر حول “المصالح”، وحزب التجمع الوطني للأحرار أيضا منقسم، بين جناحين الأول يؤيد باحجي، والثاني يمني النفس برحيله. وكل طرف يتمترس حول موقفه، ويناور بمصلحة المدينة لإفشال الطرف الآخر، على أمل أن يتمكن من إثبات وجوده وفرض رؤيته.
لكن الأوراق التي في يد الحالمين بإسقاط رئيس جماعة مكناس تتقلص مع مضي الوقت، والخيارات أمامهم تضيق شيئا فشيئا إلى أن يستوعبوا الى حقيقة الظاهرة، وهي أن رئيس جماعة مكناس سيستمر في أداء مهامه حتى نهاية ولايته الجماعية وبدون منازع.
لقد سبق وأن تحدثنا سلفا عن البيت الداخلي للأحرار بمكناس، وكشفنا عن حجم المؤامرة التي يتعرض لها باحجي، وقلنا بأن هذا الصراع، هو مجرد كسر العظم ستكون له إنعكاسات سلبية لا محالة على القيادة الحالية للحزب، أو تحديدا تيار الطاهري. غير أن السؤال الأبرز هو ما محل حزب الاتحاد الدستوري من صراع التجمعيين فيما بينهم؟
وقبل أن نخوض في تفاصيل هذا العبث لا بدأ أن نقف عند نقاط ثلات، وهي أننا عندما نتحدث عن الإتحاد الدستوري يجب التمييز بين تيارين “القشالين” نسبة الى المرحوم إدريس قشال، وهم أصل الحزب بمكناس، ثم “الوافدين” المبعدين من حزب الأحرار سابقا بعد تسلم الطاهري حينها مفاتيح تدبير تنسيقيته المحلية. كذلك، يجب أن نعي جيدا أن الصراعات الحالية قائمة فقط على المصالح والمكاسب لا غير، وبالتالي كلما كبرت كلما احتدم الخلافات والضرب تحت الحزام، والنتيجة في الأخير هدر الزمن السياسي، وركن مصالح المدينة على الرف.
اليوم تعيش تنسيقية الإتحاد الدستوري بمكناس مخاضا عسيرا، بل أزمة غير مسبوقة تنذر بغرق وشيك بسبب غموض في الرؤية والأفق، وسوء في التقدير، واعتماد أسلوب التبعية في المناورة السياسية، والدخول في صراعات لا ناقة له فيها، ولا جمل. فالظاهر أن عراب الدستوريين عباس المغاري يخوض حربا بالوكالة ضد رئيس جماعة مكناس لصالح تيار الطاهري. والكل يتحدث عن “البلوكاج” ولا أحد تجرئ من أعضاء المكتب المسير بما فيهم مستشاري حزب “الحصان” ممن يعارض أسلوب باحجي في التسيير على تقديم إستقالته وإرجاع مبالغ التعويضات التي استفاد منها لأزيد من سنة، “اخ منو عينو فيه”.
إن ما يحدث داخل دهاليز مجلس الجماعة هو ضحك على دقون المكناسيين، واستحمار لذكائهم وهدر للزمن والفرص. لقد أضاع الدستوريون الوافدون الرصيد الإيجابي الذي راكموه خلال الولاية السابقة عندما اختاروا الاصطفاف الى جانب جبهة الطاهري في حربهم لإزاحة باحجي، والسعي وراء السراب أو الأماني المفقودة، وقد صدق من قال “الطماع يقضي عليه الكذاب”.
جماعة مكناس معطلة لأزيد من سنة، وتعويضات نواب الرئيس سارية، ولا أحد يقول “اللهم هذا منكر”، فلو كانت هناك ذرة وطنية لستحى هؤلاء مما يجري الآن، فهل يعي هؤلاء المستشارين بدقة المرحلة وحساسية الوضع العام الذي لا يحتمل المزيد من التشنج؟
لقد أضهر الصراع داجل مجلس جماعة مكناس وخلال الاستعدادات للمشاركة في فعاليات المؤثمر السادس لحزب الإتحاد الدستوري ضبابية مواقف القادة المحليين لحزب “الحصان”، نتحدث هنا عن البرلماني والمنسق الجهوي وعضو المجلس الوطني وعضو المكتب السياسي بالإضافة الى نائب رئيس الجماعة ورئيس فريق عباس المغاري، والمنسق الإقليمي ونائب رئيس المجلس الإقليمي فريد بواحي، ونائب رئيس الجماعة الحاج الساسيوي، وكيف بدأت الهوة تتسع بين الأول الممثل للتيار “الوافدين”، والإثنين الأخرين المنتمين لجناح “القشاليين” بسبب عدم الوضوح والقرارات الملتبسة في بعض الأحيان والمبهمة في أحيان عدة. فإقصاء عدد من المناضلين من المشاركة في المؤتمر الأخير تسبب في شرخ كبير خصوصا بين المنسقيين الجهوي والإقليمي فيما يتعلق بمسألة من يملك أحقية المشاركة من عدمها، وما رافق ذلك من أسلوب الكولسة والوعود الكاذبة والتسويف. اليوم لم يعد للحزب كبير، وحتى من كان كبيرا في السابق لايملك الآن سوى قرار نفسه، وانتهى الكلام.
… يُتبع