العدالة والتنمية بمكناس.. حزب فقد بوصلته فاختار معاقبة المدينة بدل خدمتها

كشفت مقاطعة حزب العدالة والتنمية لدورة أكتوبر بمجلس جماعة مكناس عن أزمة عميقة يعيشها الحزب في تحديد موقعه السياسي محليا، وعن ارتباك واضح بين ما يقوله وما يمارسه، فبعدما نشر موقع المستقل مقالا ينتقد هذا الموقف، سارع فرع الحزب بمكناس إلى الرد عبر تدوينة فيسبوكية اتسمت بلغة هجومية دفاعية، زادت من تعميق الشكوك حول طبيعة هذا “الغياب الممنهج” الذي يعرقل كل مبادرة تنموية داخل المجلس.
الرد الذي جاء تحت عنوان غامض، “لمن يبحث عنا بين خرابات شتنبر 2021″، لم يكن مجرد توضيح سياسي، بل أقرب إلى إعلان بأن الحزب ما زال يعيش تحت صدمة سقوطه الانتخابي في الثامن من شتنبر 2021، حين لفظته صناديق مكناس. بدل أن يقدم رؤية نقدية بناءة، لجأ إلى خطاب المظلومية كالعادة واتهام الآخرين بـ”العبث”، في محاولة لتبرير موقف لا يمكن تبريره.
لكن إذا كان الحزب يرى أن الحضور في الدورات “ليس غاية في حد ذاته”، كما ورد في بيانه، فالسؤال المنطقي هو لماذا حضر إذن جلسة إسقاط جواد باحجي عن حزب الأحرار؟ ولماذا لا يتردد في الحضور حين تكون الغاية خلق حالة من “البلوكاج” السياسي؟
إن هذا التناقض الصارخ يكشف أن الموقف ليس مبدئيا كما يدعي، بل هو موقف انتقائي واضح تتحكم فيه الحسابات الضيقة أكثر من المصلحة العامة.
وإذا كان حزب العدالة والتنمية يرى أن الحضور في الدورات ليس غاية في حد ذاته، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا خاض الحزب الانتخابات أصلا؟ فالمنتخب لا يمنح ثقته للناخبين ليقاطعوا الاجتماعات أو يتواروا خلف مبررات سياسية، بل ليحضروا ويناقشوا ويدافعوا عن قضايا الساكنة داخل المؤسسة المنتخبة.
إن مقاطعة دورة أكتوبر، التي خصصت لمناقشة ملفات جوهرية كدفتر تحملات قطاع النظافة والإنارة العمومية، لا تعني سوى التخلي الطوعي عن أبسط واجبات التمثيل. فهل يعقل أن يعتبر الحزب هذين القطاعين الحيويين، اللذين يمسان يوميا حياة المكناسيين، مجرد تفاصيل لا تستحق الحضور والمناقشة؟ أم أن ما يحركه اليوم هو منطق الحقد على المدينة التي عاقبته في الثامن من شتنبر؟
والمفارقة الكبرى أن الحزب ينسى أو يتناسى تاريخه القريب، وهي فرصة لنذكر أنه خلال ولايته السابقة حين كان يتولى تدبير الشأن الجماعي، عرض دفتر تحملات قطاع النظافة نفسه للدراسة والموافقة، فصوتت له المعارضة آنذاك، ومن ضمنها حزب الاتحاد الدستوري الذي يسير اليوم المجلس الحالي. حينها، لم يكن ذلك تنازلا، بل سلوكا سياسيا مسؤولا نابعا من وعي جماعي بأن ما يهم هو مصلحة المدينة قبل الحسابات الحزبية. تلك كانت معارضة بناءة ورشيدة، تضع التنمية فوق الاصطفاف، وتتعامل بإيجابية مع الملفات التي تمس حياة المواطنين.
لكن ما إن تغيرت المعادلة، وأصبح من كان في المعارضة بالأمس في موقع التدبير اليوم، حتى انقلب الموقف رأسا على عقب. فالذين كانوا يطالبون بالتعاون والشراكة أصبحوا يمارسون القطيعة والعرقلة، والذين كانوا يرفعون شعار “مصلحة المدينة أولا” صاروا يتعاملون بمنطق “إما نحن أو لا أحد”، فهل هناك أوضح من هذا الدليل على أن الحقد السياسي غلب روح المسؤولية؟
لقد آن لحزب العدالة والتنمية أن يدرك أن المجالس الترابية ليست حلبات لتصفية الحسابات، بل فضاءات للتعاون من أجل التنمية، وأن المعارضة البناءة لا تقاس بعدد مرات المقاطعة، بل بقدرتها على الإسهام في النقاش وإغناء القرار.
أما الغياب عن الدورات ورفض الانخراط في المشاريع التنموية، فليس تعبيرا سياسيا مشروعا، بل انسحاب من الواجب التمثيلي، وترك للمدينة تواجه وحدها تحدياتها الكبرى.
يبقى السؤال الذي يوجع الضمير السياسي، ما ذنب ساكنة مكناس أن تعاقب مرتين، مرة يوم الثامن من شتنبر حين اختارت بوعي، ومرة أخرى حين أصر من خسر على أن ينتقم من خيارها؟ مكناس اليوم لا تحتاج إلى من يذكرها بالماضي، بل إلى من يشارك في صناعة مستقبلها، لأن التاريخ لا يرحم من يعرقل التنمية، والمدينة لا تغفر لمن يجعلها رهينة لتصفية الحسابات.