من المعارضة إلى الانتقام.. كيف أسقط العدالة والتنمية أقنعته بمكناس؟

كشفت مقاطعة دورة أكتوبر لمجلس جماعة مكناس عن مستوى غير مسبوق من العبث الحزبي والرغبة في إغراق المدينة في حالة شلل مقصود. فحين تجتمع فرق المعارضة، المكونة من أحزاب التحالف الحكومي، إلى جانب حزب العدالة والتنمية، لعرقلة دورة مخصصة لمشاريع تنموية حيوية، فإن السؤال لم يعد عن الأسباب، بل عن النوايا.

غير أن هذه المقاطعة لم تكن مجرد موقف عابر، بل رسالة سياسية مشفرة مفادها أن بعض الأطراف ما تزال ترفض الإقرار بأن قطار التنمية محليا قد تحرك فعلا، وأن زمن التحكم بمدينة مكناس من خلف الستار قد انتهى.

بهذا السلوك، لم تعد المعارضة بمكناس تمارس دورها الديمقراطي الطبيعي، بل تحولت إلى أداة لعرقلة كل ما يرمز إلى التغيير. قد نتفهم، ولو جزئيا، دوافع أحزاب التحالف الحكومي التي لم تستسغ بعد الطريقة التي قلب بها عباس الومغاري موازين القوى داخل المجلس الجماعي بعد استقالة جواد باحجي، لكن ما لا يمكن فهمه أو تبريره هو التحول الغريب في سلوك حزب العدالة والتنمية وانخراطه في هذا العبث الجماعي.

فالحزب الذي يتصدر صفوف المعارضة بمجلس النواب، مهاجما أحزاب الحكومة صباح مساء، هو نفسه الذي يتحالف معها محليا لإجهاض دورة تنموية بمكناس. فأي منطق سياسي هذا الذي يسمح لحزب أن يعارض ويدبر في الاتجاهين المعاكسين في الوقت ذاته؟ أو بمعنى آخر، أليس هذا انفصاما سياسيا صارخا بين الخطاب الوطني والسلوك المحلي؟

وما يزيد المشهد التباسا هو التناقض الفج بين ما يقوله الحزب وطنيا وما يمارسه ميدانيا. فعبد الإله بنكيران، الأمين العام للعدالة والتنمية، لا يفوت مناسبة لتذكير المغاربة بـ“نظافة يد الحزب” ووفائه للمبادئ، لكن بمكناس، يبدو أن تلك المبادئ تترك على عتبة المجلس. وبدل أن يكون الحزب صوتا ناقدا بناء، تحول إلى شريك في العرقلة، بل أكثر من ذلك إلى معارضة من أجل المعارضة، لا تبحث عن المصلحة العامة بقدر ما تسعى لإسقاط أي نجاح قد ينسب لغيرها.

ومن يتتبع حضور العدالة والتنمية في مجلس جماعة مكناس يدرك أن الأمر لم يعد يتعلق بالسياسة، بل بالرغبة في الانتقام من المدينة التي لفظته في انتخابات 8 شتنبر 2021. فالحزب الذي لم يتعاف من هزيمته الانتخابية، لا يظهر إلا حين تلوح بوادر التقدم، ولا يسمع صوته إلا عندما يتهدد مسار التنمية، وحضوره داخل المجلس لا يكون إلا حين تحين لحظة العرقلة. لا يقترح، لا يبادر، لا يساهم في البناء، بل يتحين الفرص ليضع العصا في عجلة التنمية، وكأنه يريد أن يبرهن للمكناسيين أنه لا نهضة بدون حضوره لو اقتضى الأمر معاقبة المدينة بأكملها.

والأخطر أن هذا الموقف لم يعد مجرد حساب سياسي، بل نزعة انتقامية مغلفة بخطاب المعارضة، وبالتالي الحزب يدرك أن نجاح تجربة الومغاري سيقضي على أي أمل في عودته لتدبير الشأن المحلي، لذلك يفضل الفشل على النجاح الذي لا ينسب إليه، هي إذن غيرة سياسية تحولت إلى غل انتخابي. واليوم، وقد بدأت المشاريع تنجز والبنية التحتية تتحرك، لم يجد الحزب سوى المساهمة في البلوكاج ليذكر الناس بوجوده.

وإذا كان هذا هو حال المعارضة اليوم، فإن مكناس لم تعد تحتمل المزيد من العبث السياسي. فالمتضرر الحقيقي من هذه اللعبة الصغيرة ليس المجلس ولا الرئيس ولا المكتب المسير، بل المدينة وساكنتها. فكل دورة تلغى تعني مشروعا مؤجلا، واستثمارا متوقفا، ومصلحة عامة معطلة لصالح حسابات حزبية ضيقة. زما كان يفترض أن يكون تنافسا ديمقراطيا شريفا، تحول إلى لعبة تعطيل ممنهجة لا رابح فيها سوى الجمود.

إن مكناس اليوم تحتاج إلى نخب تؤمن بالبناء لا بالهدم، وبالمبدأ لا بالانتقام، وبالإصلاح لا الحقد. والسياسة حين تنفصل عن القيم تتحول إلى عبء ثقيل، وعلى قيادة العدالة والتنمية أن تدرك أن مكناس ليست ميدانا لتصفية الحسابات ولا مختبرا لتنفيس الأحقاد. إنها مدينة تتنفس بصعوبة بعد سنوات من الجمود، وأي محاولة لإعادتها إلى الخلف هي خيانة لنبض الساكنة التي سئمت من الشعارات الفارغة.

لقد خسر العدالة والتنمية بوصلته بمجلس جماعة مكناس، فبدل أن يكون حزبا سياسيا يقدم البدائل، صار حزبا ناقما يقتات من العرقلة. والمدينة التي تتطلع اليوم إلى المستقبل لا يمكن أن تنتظر حزبا حول الانكسار إلى منهج، والبلوكاج إلى عقيدة. وهنا يصبح السؤال مشروعا، هل ما زال البيجيدي بمكناس حزبا سياسيا فاعلا، أم مجرد ذكرى تبحث عن مبرر للبقاء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *