بين الانفعال والاختلال.. كيف فقد رئيس مجلس مجموعة الجماعات الترابية البوصلة في مخاطبة والي جهة فاس-مكناس؟

لم تمر أشغال دورة أكتوبر العادية لمجلس مجموعة الجماعات الترابية فاس–مكناس (قطاع التوزيع) مرور الكرام، بعدما أثار رئيس المجلس موجة استغراب واسعة عقب توجيهه احتجاجا علنيا وشبه رسمي إلى والي الجهة، عبر ممثله الكاتب العام لولاية فاس–مكناس، داخل جلسة رسمية للمجلس، في سابقة غير مألوفة في الأعراف الإدارية المغربية.

ففي لحظة انفعال، وجه الرئيس ما وصفه بـ“احتجاج رسمي” بسبب توقف مجموعة من مشاريع تزويد الدواوير بالماء الصالح للشرب، بعد صدور أمر من المدير الجهوي للمكتب الوطني للماء بوقف الأشغال إلى حين انتقال المهام إلى الشركة الجهوية المتعددة الخدمات، وعبر الرئيس بلهجة حادة قائلا إن “ما يجري غير مقبول وغير معقول، ولا يمكن أن يبقى المواطن ضحية مزاج بعض المسؤولين”.

لكن، ورغم مشروعية مضمون الغضب، فإن طريقة التعبير عنه كانت بعيدة عن اللياقة المؤسساتية، على اعتبار أن المجالس المنتخبة لا توجه احتجاجات مباشرة إلى ممثل السلطة التنفيذية خلال أشغالها، لأن ذلك يعد تجاوزا للتراتبية القانونية ومساسا بمبدأ التنسيق بين السلطات الترابية.

كان الأجدر بالرئيس أن يوجه مراسلة رسمية إلى الوالي عبر القنوات الإدارية، بدل تحويل الجلسة إلى منبر احتجاجي يسيء إلى هيبة المؤسسة التي يرأسها.

موقف ممثل الوالي كان حازما ومتزنا في الآن نفسه، حين ذكر الرئيس بأن “القنوات المسطرية هي الطريق السليم للتواصل مع الولاية، وأن مخاطبة ممثل جلالة الملك بهذه الطريقة أمر غير مقبول”، وهو رد يعكس تمسك الإدارة باحترام المؤسسات وتراتبية المسؤوليات.

لكن القضية لا تتوقف عند حدود اللياقة فقط، بل تطرح أيضا إشكالا سياسيا وأخلاقيا خطيرا، على اعتبار أن الرئيس المعني، بصفته عضوا في مجلس جماعة مكناس، تم انتخابه في ذلك المنصب عندما كان ضمن الأغلبية التي يقودها الرئيس السابق لجماعة مكناس، جواد باحجي، غير أن الواقع اليوم تغير، إذ أصبح الرجل ينتمي صراحة إلى صف المعارضة داخل مجلس جماعة مكناس، وهو ما يخلق تناقضا صارخا في تمثيلية المدينة داخل مؤسسة جهوية تمثيلية.

وبالتالي كيف يعقل أن يمثل جماعة مكناس في مجلس جهوي شخص يقف سياسيا في صف معارضتها داخل مجلسها المحلي؟ هذا الوضع يضرب في العمق مبدأ الانسجام السياسي والتمثيلية الشرعية، ويستدعي تصحيحا عاجلا.

من هذا المنطلق، يصبح من المنطقي أن يبادر رئيس جماعة مكناس عباس الومغاري بإدراج نقطة ضمن جدول أعمال الدورة المقبلة تتعلق بإعادة انتخاب ممثل الجماعة داخل مجلس مجموعة الجماعات الترابية، حفاظا على اتساق المواقف ومصداقية التمثيل. فالمؤسسات لا تدار بالولاءات المتبدلة، بل بالمسؤولية السياسية والالتزام الأخلاقي تجاه الناخبين.

إن ما حدث في دورة أكتوبر ليس مجرد انفعال لحظة، بل ناقوس خطر حول أسلوب ممارسة بعض المسؤولين للتمثيلية الترابية. فالدفاع عن المشاريع حق، لكن احترام المؤسسات واجب.

ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى ترسيخ الجهوية المتقدمة والتنسيق بين مختلف المستويات المنتخبة، لا يمكن القبول بأن تتحول الاجتماعات الرسمية إلى منابر للتصعيد أو لتصفية الحسابات.

لقد كان على الرئيس أن يوجه غضبه في الاتجاه الصحيح أي نحو العمل المؤسسي لا الانفعال العلني، لأن الماء قد يتوقف في الأنابيب، لكن يجب ألا يتوقف منطق الدولة في العقول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *